أنتلجنسيا:ياسر اروين
كلما اقترب موعد الانتخابات في المغرب، يعود سؤال قديم/جديد إلى الواجهة بقوة، من يصنع الخريطة السياسية فعلاً؟ هل تحسمها صناديق الاقتراع وحدها، أم أن توازنات الدولة العميقة، وآليات التدبير الإداري والسياسي، تظل حاضرة في الخلفية لتوجيه المشهد نحو نتائج لا تخرج كثيراً عن “المسموح به”؟
فمع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يتجدد النقاش حول دور وزارة الداخلية المغربية، التي تتولى الإشراف التنظيمي واللوجستي الكامل على العملية الانتخابية، من مراجعة اللوائح الانتخابية، إلى ضبط الخريطة الترابية، وتأمين العملية الانتخابية، والإشراف الإداري على مراحلها المختلفة.
هذا المعطى وحده، يكفي لإحياء نقاش قديم حول حدود الحياد المؤسساتي، ومدى قدرة الانتخابات على إنتاج أغلبية سياسية مستقلة بالكامل عن موازين القوى غير المعلنة.
وفي الذاكرة السياسية المغربية، لا يزال الجدل قائماً حول محطات انتخابية اتُّهمت فيها الدولة، من طرف فاعلين سياسيين وباحثين، بالتأثير المباشر أو غير المباشر في المشهد الحزبي، سواء عبر ما يُعرف بالتقطيع الانتخابي، أو عبر أنماط تدبير إداري قيل إنها أثرت على مخرجات الصندوق، أو من خلال إعادة تشكيل التحالفات بعد الانتخابات بما يضمن توازنات معينة داخل السلطة.
غير أن الدولة المغربية، تنفي باستمرار وجود تدخلات تمس نزاهة الاقتراع، وتؤكد في المقابل أن المؤسسات الانتخابية تطورت بشكل كبير مقارنة بمراحل سابقة.
والسيناريو الذي يثيره بعض المراقبين اليوم يتمثل في احتمال السعي نحو إنتاج حكومة “مضبوطة الإيقاع”، قادرة على ضمان الاستقرار المؤسساتي ومواصلة الأوراش الكبرى، خصوصاً في سياق اقتصادي واجتماعي حساس، واستعدادات مرتبطة بمواعيد دولية كبرى، ما قد يدفع – وفق هذه القراءة – إلى تفضيل مشهد سياسي متوازن أكثر من مغامرة انتخابية مفتوحة على مفاجآت غير محسوبة.
لكن في المقابل، هناك من يعتبر أن الحديث المسبق عن “حكومة مفصلة على المقاس” ينطوي على تبسيط مفرط لمشهد أكثر تعقيداً، خصوصاً أن المغرب عرف في محطات مختلفة نتائج انتخابية غير متوقعة، وصعود قوى سياسية لم تكن دائماً الخيار الأكثر ترجيحاً لدى المتابعين، كما حدث مع تجارب حكومية سابقة أفرزتها ديناميات الصندوق والظرفية السياسية.
كما أن التحولات الرقمية، وتوسع المراقبة الإعلامية، وارتفاع وعي الرأي العام، كلها عوامل تجعل أي تدخل مباشر – إن وقع – أكثر كلفة سياسياً وأكثر عرضة للنقاش العمومي من أي وقت مضى.
ورغم ذلك، يبقى السؤال الذي يتردد في المقاهي والصالونات السياسية قبل أكثر من عام على الاقتراع:هل ستكون انتخابات شتنبر 2026 محطة تنافس سياسي حقيقي تُفرزها صناديق الاقتراع بشكل حر، أم أننا سنكون أمام إعادة ترتيب دقيقة للمشهد تنتهي بحكومة تضمن الاستمرارية أكثر مما تعكس المزاج الشعبي؟
الإجابة النهائية، كما يرى كثيرون، لن تُحسم فقط يوم التصويت، بل ستتضح أيضاً في طبيعة القوانين المؤطرة، ونسب المشاركة، وكيفية إدارة الحملة، ثم في شكل التحالفات التي ستولد بعد إعلان النتائج؛ فهناك من يرى أن السياسة في المغرب لا تبدأ بعد الانتخابات فقط، بل أحياناً قبلها بكثير.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك