أنتلجنسيا:خالد راكز
العبارة الدينية في الفضاء العمومي المغربي بين المعنى والسلطة
في كل مرة يغادر الدين ساحته الروحية، ويرفع شعار باسم الله في الفضاء العمومي يصبح السؤال عن السلطة والشرعية محور النقاش.
فالمقدس يفترض أن يكون افقا للمعنى والقيم يتحول الى فاعل يطالب بالكلمة الأخيرة مهيمنا على ما يسمى نقاشا عموميا' في المغرب، حيث يتقاطع الايمان العميق للمجتمع مع ضبط الدولة لشرعية الدين.
ان العبارة الدينية ترتبط بقابلية سياقها التداولي وقوتها الرمزية، وهنا لايكفي الدين ان يكون حاضرا بل يجب مساءلة هذا الحضور ذاته، وهل يعبر عن ايمان اخلاقي او عن سلطة تدعي احتكار الحقيقة؟
الفضاء العمومي:ساحة نقاش ام مجال مضبوط..؟
تقدم النظريات الحديثة، الفضاء العمومي بوصفه مجالا للنقاش العقلاني، كما نجده عند الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس، غير ان الواقع الاجتماعي يكشف ان هذا الفضاء ليس ساحة مفتوحة تماما بل تحكمه قواعد رمزية وحدود غير مكتوبة بالكلام، داخل الفضاء العمومي لايقيم فقط بمضمونه بل ايضا بمصدره وسياقه والقوة الرمزية التي يستند إليها.
وفي الحالة المغربية، يتشكل الفضاء العمومي ضمن معادلة دقيقة تقوم على ثلاثة عناصر:
الدولة باعتبارها الضامن المؤسسي للدين والمجتمع المتدين تاريخيا، ثم الفاعلون السياسيون والاجتماعيون، الذين يتنافسون على شرعية الخطاب، وهذه المعادلة تجعل حضور التدين في المجال العمومي حضورا دائما لكنه مضبوط الايقاع.
العبارات الدينية من التعبير الى النفوذ
العبارات الدينية هي لغة معنى، تعبر عن حاجة روحية اواخلاقية، لكنها حين تدخل المجال العمومي قد تتحول الى شيء اخر.
فالشعار الديني، لايستعمل دائما بوصفه تعبيرا انسانيا، بل يمكن ان يفهم كاشارة لامتلاك الحقيقة او محاولة اغلاق النقاش
حين تقال عبارة دينية في سياق ديني او وعظي تمر غالبا دون توتر
اماحين تقال في سياق احتجاجي سياسي او جدل اجتماعي، فإنها تتحول لغة حاملة لسلطة رمزية.
فالمقدس، بطبيعته لايقبل الجدل بسهولة ومن هنا ينشأ التوتر بسهولة بين منطق النقاش العمومي ومنطق الحقيقة المطلقة.
الدولة واحتكار المعنى الديني
يتميز النموذج المغربي بخصوصية واضحة، في إدارة المجال الديني، فالدولة تمارس دورا مركزيا في تنظيم الحقل الديني عبر مؤسسة إمارة المؤمنين التي تمثل المرجعية الدينية العليا في البلاد، حيث يمنح هذا الإطار نوعا من الاحتكار الرمزي لتأويل الدين داخل الفضاء العمومي.
لذلك لا تواجه العبارات الدينية غالبا بالمنع المباشر بل إعادة تاطيرها داخل هذا في سياق تداولي خاص وعام فالمشكلة ليست في الدين ذاته بل في استعمال الدين خارج القنوات التي تحددها الشرعية الرسمية
الإسلام السياسي وتحولات الخطاب
عرفت الحركات الإسلامية ذات المرجعية الإسلامية في المغرب، تحولات مهمة خلال العقود الأخيرة، فبعد مرحلة كانت فيها الشعارات الدينية حاضرة بقوة في الخطاب السياسي، اتجهت هذه الحركات تدريجيا نحو لغة اكثر براغماتية ترتكز على البرامج والسياسات بدل الخطاب الديني المباشر.
هذا التحول، لايعني التراجع عن المرجعية الدينية، بل يعكس ادراكا متزايدا لحقيقة الفضاء العمومي الذي يقوم أساسا على التفاوض والنقاش لاعلى اطلاق الحقيقة النهاىية
المجتمع:تدين يومي بلا صراع
التدين العميق أكثر حضورا في الحياة اليومية، لكن المجتمع المغربي غالبا ما يظهر نوعا من الحذر اتجاه تسييس المقدس.
فالتدين السائد، هو تدين اجتماعي اخلاقي، يتجلى في العادات والطقوس اليومية اكثر مما يتجلى في الصراعات الايديولوجية.
لهذا نجد نوعا من الحذر الجماعي اتجاه تسييس التدين، وغالبا ما تقابل الشعارات بمسافة بعدية ضمنية دون اعلان ذلك، والدولة بدورها تمارس نوعا من الفصل العملي بين هذه الممارسات التي توظف المعنى وفق سياقات مغايرة.
فالفضاء العمومي، لا يحتاج الى ابعاد الدين كما لايحتمل تحويل المقدس الى مجال صراع وتنافس مادي ورمزي، فالتحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا التوازن بين حضور الدين بوصفه مصدرا للمعنى والقيم وبين الحفاظ على المجال العمومي بوصفه فضاء للنقاش،المشترك.
اي ان المشكلة ليست في حضور العبارات الدينية في الفضاء العمومي، بل في اللحظة التي يتحول فيها المقدس الى حجة نهائية، لا تقبل النقاش، عندها لايعود الدين تصورا للمعنى بل سلطة خطاب له الكلمة الاخيرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك