أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مؤشر جديد يعكس توتراً اقتصادياً متصاعداً، كشفت معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع ملحوظ في كلفة المعيشة خلال شهر فبراير 2026، في وقت يواجه فيه المواطنون موجة غلاء متزايدة تضرب المواد الأساسية وتعيد طرح أسئلة حارقة حول القدرة الشرائية.
الأرقام تؤكد أن الأسعار واصلت منحاها التصاعدي مقارنة بشهر يناير، مدفوعة أساساً بارتفاع أسعار المواد الغذائية التي سجلت قفزة لافتة، خاصة في منتجات البحر والفواكه واللحوم والخضر، وهي مكونات يومية لا يمكن الاستغناء عنها، ما يجعل أثر هذا الارتفاع مباشراً على الأسر. وفي المقابل، لم تكن المواد غير الغذائية بعيدة عن هذا التصعيد، حيث ساهمت زيادة أسعار المحروقات في تعميق الضغط، بما ينعكس على النقل وتكلفة مختلف الخدمات.
ورغم تسجيل بعض الانخفاضات المحدودة في أسعار الزيوت والمشروبات، فإنها لم تكن كافية لمعادلة موجة الغلاء العامة، ما يعكس اختلالاً واضحاً في بنية الأسعار، حيث ترتفع المواد الأكثر استهلاكاً بشكل أسرع من غيرها.
جغرافياً، لم يكن هذا الارتفاع متساوياً، إذ تصدرت مدن الشمال والشرق قائمة الزيادات، بينما سجلت مدن أخرى تراجعات طفيفة، في مشهد يعكس تفاوتاً مجاليّاً في تأثير التضخم، لكنه لا يلغي الإحساس العام بغلاء المعيشة الذي أصبح قاسماً مشتركاً بين مختلف المناطق.
المفارقة اللافتة تكمن في أن المقارنة السنوية توحي بانخفاض عام في الأسعار، نتيجة تراجع كلفة بعض المواد الغذائية، غير أن هذا الانخفاض يبدو “مخادعاً” عند النظر إلى التفاصيل، حيث تستمر المواد غير الغذائية في الارتفاع، ويظل التضخم الأساسي في منحى تصاعدي، ما يعني أن الضغوط الحقيقية على الأسر لم تتراجع فعلياً.
هذا التباين بين الأرقام الشهرية والسنوية يكشف عن صورة اقتصادية معقدة، حيث تتراجع بعض المؤشرات على الورق، بينما يزداد العبء في الواقع، خصوصاً مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والخدمات، وهو ما يهدد بعودة موجة تضخمية أوسع إذا استمرت نفس الدينامية.
في العمق، تعكس هذه التطورات هشاشة التوازن بين العرض والطلب، وتأثير العوامل الخارجية، خاصة تقلبات أسعار الطاقة، على السوق الداخلية، ما يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لارتدادات سريعة لأي صدمات دولية.
وبين أرقام رسمية تحاول طمأنة المشهد، وواقع يومي يفرض نفسه بقوة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام معادلة صعبة: دخل محدود في مواجهة أسعار لا تتوقف عن الارتفاع، في انتظار حلول قادرة على كبح هذا النزيف الصامت في القدرة الشرائية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك