أنتلجنسيا:أبو آلاء
مع اقتراب شهر رمضان، عاد المغاربة ليصطدموا بواقع معيشي يزداد قسوة، عنوانه هذه المرة الارتفاع الصاروخي لأسعار الأسماك، وعلى رأسها السردين، الذي بلغ ثمن الكيلوغرام الواحد اليوم حوالي 30 درهماً في عدد من الأسواق، في سابقة تعكس اختلالاً عميقاً في منظومة يفترض أنها تشتغل باسم “السيادة الغذائية” وحماية القدرة الشرائية.
هذا الارتفاع غير المسبوق لم يعد حدثاً عابراً أو مرتبطاً بعوامل ظرفية، بل أصبح مؤشراً صارخاً على فشل حكومي بنيوي، تتحمل مسؤوليته المباشرة حكومة عزيز أخنوش، ومن خلفها لوبيات الصيد في أعالي البحار وشبكات المضاربة والوساطة.
السردين، الذي ظل لعقود يُصنف كـ“سمك الفقراء”، تحوّل في ظرف سنوات قليلة إلى مادة شبه كمالية، لا تطالها يد المواطن البسيط إلا بشق الأنفس.
والمفارقة أن هذا الغلاء يحدث في بلد يُعد من أغنى الدول عالمياً من حيث الثروة السمكية، ويملك واجهتين بحريتين تمتدان لآلاف الكيلومترات.
غير أن هذه الثروة، بدل أن تنعكس رخاءً على المستهلك، أصبحت رهينة مصالح ضيقة، تتحكم فيها شركات كبرى للصيد الصناعي، أغلبها تنشط في أعالي البحار، وتستنزف المخزون السمكي بكثافة، دون أي التزام فعلي بتزويد السوق الوطنية بأسعار معقولة.
ومسؤولية الحكومة هنا، لا يمكن تمييعها أو الهروب منها عبر خطاب “قوى السوق” أو التذرع بالعرض والطلب.
فحكومة يقودها رجل أعمال قادم من عالم المال والأعمال، ومرتبط تاريخياً بقطاعات الإنتاج والاحتكار، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية في ما آل إليه وضع الأسعار.
وغياب آليات المراقبة، والتساهل مع لوبيات الصيد الكبرى، وترك المجال مفتوحاً أمام الوسطاء والمضاربين لفرض منطقهم، كلها اختيارات حكومية واعية، وليست قدراً مفروضاً.
الأخطر من ذلك أن هذا الغلاء يتزامن مع اقتراب شهر رمضان، حيث يرتفع الطلب على الأسماك بشكل طبيعي، ما يفتح شهية المضاربين أكثر، في ظل صمت رسمي مريب، وعجز واضح عن فرض تسقيف مؤقت للأسعار أو توجيه جزء من الإنتاج البحري للسوق الداخلية بدل تصديره أو تحويله إلى دقيق السمك.
وهنا تبرز معادلة مختلة: سمك يُصطاد من المياه المغربية، ويُدعم بشكل غير مباشر من المال العام، ثم يُحرم منه المواطن المغربي، أو يُفرض عليه بثمن يفوق قدرته الشرائية.
لوبيات الصيد في أعالي البحار، التي راكمت أرباحاً خيالية، لا تتحرك في فراغ، بل تشتغل في بيئة سياسية واقتصادية توفر لها الحماية والتغاضي.
هذه اللوبيات، إلى جانب شبكات الوساطة داخل أسواق الجملة، راكمت نفوذاً جعلها أقوى من منطق المصلحة العامة، وأقدر على فرض شروطها على الدولة نفسها.
والنتيجة هي سوق مختلة، يدفع فيها المواطن الثمن مضاعفاً: مرة من جيبه، ومرة من حقه في ثروة بلاده.
إن ما يحدث اليوم في سوق السمك ليس مجرد غلاء موسمي، بل تجلٍ صارخ لأزمة حكامة، وعنوان إضافي لفشل السياسات الحكومية في حماية الأمن الغذائي للمغاربة.
فحين يصل السردين إلى 30 درهماً، فإن السؤال لم يعد عن أسباب الغلاء فقط، بل عن من يحكم فعلياً هذا القطاع، الدولة أم لوبيات المال والاحتكار؟.
وفي ظل استمرار هذا الصمت الحكومي، يبدو أن الجواب صار واضحاً، وأن فاتورة هذا الاختيار ستظل تُدفع من موائد المغاربة، خصوصاً في شهر يفترض أن يكون عنواناً للتكافل لا للجشع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك