أنتلجنسيا:أبو جاسر
في لحظة سياسية فارقة، تبدو السلطة التنفيذية وكأنها تعيد رسم حدود اللعبة: كل من يقترب من كشف كلفة السياسات العمومية يُدفع إلى الهامش، وكل من يلتزم الصمت يظل داخل الدائرة. هكذا تُقرأ سلسلة الإعفاءات والضغوط التي طالت رؤساء مؤسسات دستورية للرقابة والحكامة، بعد تقارير وأرقام عرّت حصيلة حكومة يرأسها عزيز أخنوش، وفتحت نقاشاً واسعاً حول من يحمي رئيس الحكومة ويتيح له اتخاذ قرارات تُقصي أصوات الإحراج المؤسسي.
مؤسسات مستقلة أم خطوط حمراء؟
الدستور منح لمؤسسات الحكامة والاستشارة والضبط أدواراً واضحة في إنتاج المعطى العمومي ومساءلة السياسات. غير أن ما حدث يوحي بأن الاستقلالية تصبح عبئاً حين تتحول الأرقام إلى مرآة قاسية.
في المندوبية السامية للتخطيط، قدّم أحمد الحليمي معطيات مفصلة حول غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، واضعاً الإصبع على اختلالات عميقة في بنية الأسعار والدخل. الأرقام لم تكن بياناً سياسياً، لكنها بدت كاتهام موضوعي لحصيلة اجتماعية مأزومة.
وفي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أعلن أحمد رضا الشامي بلوغ البطالة مستويات تفوق 13%، في تناقض صارخ مع وعود خلق مليون منصب شغل. التقرير حوّل التعهد الانتخابي إلى سؤال مساءلة.
أما في الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، فقد قدّم محمد بنعليلو الراشدي معطيات تُقدّر كلفة الفساد بأكثر من 50 مليار درهم، وهو رقم يوازي تقريباً عجز الميزانية في بعض السنوات، بما يحمله من دلالات على نزيف بنيوي.
وفي مجلس المنافسة، أثار إدريس الكراوي ملف أرباح شركات المحروقات، مشيراً إلى هوامش ربح ضخمة قُدّرت بنحو 17 مليار درهم، في سوق حساسة تمس جيوب المواطنين مباشرة.
الورقة الحمراء ومن يمنحها الشرعية؟
القراءة الراديكالية لهذه التطورات ترى أن “الورقة الحمراء” لم تُرفع فقط في وجه أشخاص، بل في وجه منطق الشفافية ذاته. السؤال المركزي لم يعد: ماذا قالت التقارير؟ بل: من يملك القدرة على تحييد من يقولها؟
في النظام السياسي المغربي، تُعيَّن قيادات هذه المؤسسات بظهائر، وتشتغل ضمن توازن دقيق بين الاستقلال الدستوري والتنسيق مع السلطة التنفيذية. حين تتصاعد كلفة التقارير سياسياً، يصبح الحسم في مصير المسؤولين اختباراً لمدى صلابة الضمانات المؤسسية. هنا يبرز سؤال الحماية: هل هي شبكة مصالح اقتصادية–سياسية متداخلة؟ أم غطاء حزبي–برلماني يوفر أغلبية مريحة؟ أم منطق دولة يعتبر “الاستقرار” أولوية على حساب الإحراج العلني؟
المدافعون عن الحكومة يعتبرون أن الاختلاف في التقدير لا يعني استهداف الاستقلالية، وأن تدبير التعيينات جزء من صلاحيات سياسية مشروعة. لكن المنتقدين يرون أن تزامن التقارير المزعجة مع إزاحة أو تحجيم أصحابها يبعث رسالة واضحة: الأرقام مرحّب بها ما دامت لا تُربك السردية الرسمية.
اقتصاد الأرقام في مواجهة اقتصاد النفوذ
المفارقة أن الأرقام لم تأتِ من معارضة حزبية، بل من مؤسسات رسمية. حين تتقاطع تقارير حول الغلاء، البطالة، كلفة الفساد، وهوامش الربح في قطاعات استراتيجية، يتشكل “ملف عام” لا يمكن رده إلى رأي سياسي. هنا يتحول الصراع إلى معركة بين اقتصاد الأرقام واقتصاد النفوذ.
من يحمي رئيس الحكومة إذن؟ التحليل السياسي يشير إلى ثلاث دوائر محتملة: أولاً، تماسك الأغلبية البرلمانية التي تؤمّن غطاءً تشريعياً وسياسياً؛ ثانياً، شبكة علاقات اقتصادية واسعة في قطاعات استراتيجية تجعل كلفة المساءلة مرتفعة؛ وثالثاً، ثقافة مؤسساتية تميل إلى احتواء الخلاف داخل الجدران بدل إدارته في العلن.
تاريخ يُكتب بالوقائع لا بالضجيج
بعيداً عن السجال، تبقى الوقائع مسجلة في تقارير رسمية: مؤشرات معيشة، نسب بطالة، تقديرات كلفة فساد، وهوامش أرباح. هذه الوثائق ستظل جزءاً من الأرشيف العمومي، مهما تغيّرت المواقع. الرهان اليوم ليس فقط على من يبقى في منصبه، بل على ما إذا كانت مؤسسات الرقابة قادرة على ممارسة دورها بلا ثمن سياسي.
في النهاية، لا تُحسم المعارك الكبرى بالشعارات، بل بقدرة المؤسسات على حماية استقلالها. والسؤال الذي يتردد في الكواليس والعلن معاً: هل تُصان قواعد الحكامة حين تُصبح الحقيقة محرجة، أم يُعاد رسم الحدود كلما اقتربت الأرقام من مركز القرار؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك