"د.محمد أحدو" من وهم الفردوس الأوروبي إلى أزمة الوطن.. قراءة جيوسياسية وفلسفية في النزوح

"د.محمد أحدو" من وهم الفردوس الأوروبي إلى أزمة الوطن.. قراءة جيوسياسية وفلسفية في النزوح
حوار / الأحد 02 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:حاوره فهد الباهي

محمد أحدو/ كاتب مغربي باحث في الأخلاقيات التطبيقية والعلوم الإنسانية، عضو مركز نظرات للدراسات الفلسفية والإنسانية، عضو هيئة تحرير مجلة نظرات، أصدر مؤلفات تهم قضايا البيواتيقا ومجال العلوم الإنسانية . 

"باعتباركم كاتبا مغربيا وباحثاً في إشكاليات التنمية وفلسفتها، إلى أي حد يمكن اعتبار استمرار الوضع الاستعماري لمدينتي سبتة ومليلية محفزاً رمزياً وجغرافياً خاصاً، يغذي مخيال الشباب المغربي ويدفعهم نحو هذه المغامرة كما حصل مؤخرا من نزوح جماعي نحو هذين الثغرين السليبين ، بمعزل عن الديناميات الكلاسيكية للهجرةالاقتصادية العامة؟"

استجابةً لتساؤلكم الكريم حول البعد التاريخي والجيوسياسي للثغرين المحتلين، لا يمكن أبداً قراءة ظاهرة النزوح الجماعي الأخيرة نحو مدينتي سبتة ومليلية على أنها مجرد محاولة عادية للهجرة بحثاً عن العمل أو تحسين الظروف المعيشية بالطرق التقليدية، بل إنها تتقاطع بعمق مع "القيمة الرمزية الساطعة"لهاتين المدينتين في المخيال الشعبي؛ إذ لم تعودا مجرد جغرافيا مسلوبة في الذاكرة الوطنية فحسب، بل تحولتا في وجدان الشباب والفئات الهشة إلى "أيقونة للخلاص الفردي والهروب الأبدي".ففي ظل واقع محلي أصمّ أدار ظهره لاحتياجات هذه الفئات ولم يوفر لها شروط العيش الكريم والاعتراف الاجتماعي، أصبحت سبتة ومليلية تمثلان في اللاوعي الجمعي "بوابة الفردوس الأوروبي" الأقرب والأكثر إغراءً، حيث يخدع هذا التقارب الجغرافي والحدود البرية المباشرة وعي الشاب المهمش ليخلق لديه شعوراً مضللاً بأن أوروبا ممتدة داخل أرض وطنه وليست مجرد ضفة أخرى. هذا القرب المكاني الملموس يتحول إلى ما يشبه "الإغواء الجغرافي"، وهنا تتجسد رؤية عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) في تحليله لكيفية تحكم السلطة في الأمكنة والحدود وتوجيهها لأجساد الأفراد وحركتهم.

وعلى المستوى النفسي والرمزي، يمثل استمرار هذا الوضع الاستعماري جرحاً مفتوحاً وعبئاً ثقيلاً في مخيال أجيال الشباب التي تعاني من وطأة التهميش وفقدان الأفق، وهو ما نجد له صدىً عميقاً في دراسات الفيلسوف والمحلل النفسي فرانز فانون (Frantz Fanon) والمفكر إدوارد سعيدحول الآثار النفسية العميقة للاستعمار على وجدان الشعوب ووعيها. من هذا المنطلق، لم تعد عملية اقتحام الأسوار مجرد هجرة .

بمعناها الاقتصادي البحت، بل تحولت في اللاوعي الجمعي إلى "هجرة احتجاجية" وصرخة تمرد غاضبة تتغذى على وهم الفردوس الموعود الذي تختزله هذه المراكز في عيون المهمشين، متجاوزة كل المعايير العقلانية أمام إغراء الحلم الأوروبي.

وخلاصة القول، إن ما جرى يعكس أزمة مركبة تداخل فيها الجغرافي بالرمزي، حيث استغل المخيال الشبابي استثنائية الجوار الاستعماري وواقع الاختناق المحلي ليحول شعوره باليأس إلى مغامرة جماعية كبرى، تؤكد أن الحدود، حين تتشابك فيها ترسبات التاريخ مع أزمات الحاضر، تصبح مسرحاً لصدام وجودي بين الإنسان والمكان من أجل معانقة الحياة والكرامة .

"تشهد المقاربات الأوروبية لتدبير تدفقات الهجرة غير النظامية نقاشاً حقوقياً وسياسياً حاداً؛ فكيف تقرؤون سعي دول الشمال إلى إسناد أدوار حراسة الحدود لدول الجنوب، وكيف انعكس هذا التدبير الأمني على كلفة الروابط الإنسانية والمجتمعية بالمنطقة؟"

 فيما يخص حدود المقاربات الأمنية والمسؤولية الدولية، لا يمكن قراءة السياسات الأوروبية الراهنة في تدبير الهجرة غير النظامية بمعزل عن مساعي دول الاتحاد الأوروبي الحثيثة لجعل دول الجنوب، وفي مقدمتها بلدان شمال إفريقيا التي تعاني من ضغوط متزايدة لمحاولات العبور نحو الضفة الأخرى، سواء من أبنائها المحليين أو من رعايا دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ وهو وضع يفرض أعباءً لوجستية وأمنية هائلة تنهك مجهودات هذه الدول وتستنزف مواردها، بدل أن تترك لها المجال للاهتمام بقضاياها الداخلية الحارقة والعمل على استقرار أفرادها عبر تحسين ظروف عيشهم ومجابهة مغريات الهجرة.

فتلك الهجرة، كما أسلفنا، لا تحتكم فقط إلى الحاجات المادية البحتة، بل تغذيها أيضاً عوامل نفسية عميقة ترتبط بالصورة النمطية الراسخة في تمثل الشباب حول أوروبا باعتبارها "واحة للديمقراطية والفردوس الأبدي" الذي يتصور العابر أنه سيستشعر دفأه فور عبوره الحدود نحو الشمال. هذا الضغط الاقتصادي والاجتماعي الحاد، إلى جانب سطوة هذه الصورة المتخيلة للغرب، يمثلان تحدياً حقيقياً ومباشراً لدول شمال إفريقيا، وتحديداً المغرب الذي يمتلك ثغوراً محتلة تمثل بوابة ميدانية مباشرة لأوروبا، مما يجعله عرضة للاستهداف المتكرر للنزوح الجماعي.

ومن هنا، يتأكد أن مقاربة الاتحاد الأوروبي في علاقته بدول مثل المغرب -الذي يواجه تحديات مركبة تمزج بين الهجرة المحلية والدولية الساعية للعبور نحو أوروبا أو نحو تخومه المحتلة- تظل قاصرة ومأزومة لكونها حبيسة المقاربة الأمنية الصرفة؛ فهي تطالب المغرب وغيره بأن يلعبوا دور "الحارس الأول" لأراضيها، دون أن تقدم في المقابل مقاربات إنسانية وإدماجية، ودون الانخراط في رؤية تنموية شاملة تساعد هذه الدول الحدودية على الاستقرار والحد من التشجيع على الهجرة إليها، وذلك عبر علاقات متوازنة تقوم على مبدأ "رابح-رابح".

فإفريقيا وشمال إفريقيا ليستا مجرد مورد للاستغلال الطاقي أو سوقاً خلفية للاتحاد الأوروبي، بل ينبغي النظر إلى الأمر من زاوية التعاون في التنمية وتبادل الخبرات، وبناء علاقات اقتصادية متوازنة بعيداً عن رواسب الإرث الاستعماري ومحاولات بث النزاعات وتأجيجها بين دول المنطقة للاستفراد بخيراتها وامتيازاتها، وهو الإفقار الذي ينعكس بالضرورة وبالاً على أوروبا نفسها عبر تغذية عوامل الهجرة ومسبباتها.

وعليه، فإن هذا النهج الإقصائي يعيد بامتياز إنتاج صيغ الهيمنة الاستعمارية الكلاسيكية بوجوه معاصرة، وهو ما تحيلنا عليه طروحات الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن (Giorgio Agamben) في تحليله العميـق لمفهوم "حالة الاستثناء" الدائمة وإنتاج ما يسمى بـ "الحياة العارية" للأفراد؛ حيث يُجرى تجريد الإنسان من أطره القانونية والحقوقية ليتحول إلى مجرد رقم أمني معزول في معسكرات العبور، مسلوب الإرادة والكرامة.

وعلى المستوى المجتمعي والإنساني والمجالي، انعكس هذا التدبير الأمنـي المفرط والمسور بالأسوار والكاشفات والتقنيات الرادعة بشكل كارثي على تفكيك الروابط التاريخية والنسيج البشري والثقافي المتجذر الذي يجمع شعوب المنطقة على ضفتي المتوسط، متحولاً بمرور الوقت إلى أدوات استنزاف حقيقية للموارد البشرية وللطاقات الشبابية التي تُهدر في أتون الصدامات الحدودية عوض توظيفها في مسارات التنمية. وهنا يتقاطع التشخيص مع مقاربات عالم الاجتماع بيير بورديو

(Pierre Bourdieu) حول آليات العنف الرمزي والمؤسساتي الذي يمارس ببرود بيروقراطي ضد الفئات الهشة ليدفعها إلى مزيد من الإقصاء.

خلاصة القول، إن المقاربة الأوروبية في التعاطي مع الهجرة غير المنظمة لا زالت لم تبرح المربع الأمني الصرف، إذ تكتفي بمطالبة الدول الحدودية كالمغرب بأن تكون حارساً لأسوارها، وهي مقاربة قاصرة وغير كافية لوحدها لحماية حدودها، طالما أنها تغفل العدالة التنموية وتتجاهل الجذور البنيوية والنفسية لظاهرة الهجرة، لتغدو بذلك آليات لتخريب أواصر التضامن التاريخي وتوليد مزيد من الاحتقان المجتمعي وتكريس جدران القطيعة بين ضفتي المتوسط .

بعيداًعن صدمة المشاهد المباشرة التي نقلتها العدسات والمواقع مؤخراً حول هذا النزوح الواسع لفئات عريضة من الشباب والقاصرين والنساء والأسر نحو الثغور المحتلة : اقتحام سبتة ومحاولات الدخول الى مليلية ، إلى متى تظل تداعيات أزمة منظومة التعليم بالمغرب ، واتساع الفوارق المجالية، وهيمنة اقتصاد الريع، عوامل محولة للرأسمال البشري وحاملي الشواهد إلى طاقات محبطة ترى في الهروب خلاصاً وجودياً" .

تتطلب الإجابة عن هذا الإشكال الغوص العميق في البنيات الداخلية للاختلالات السوسيواقتصادية والمجالية؛ فبعيداً عن صدمة المشاهد المباشرة التي نقلتها العدسات والمواقع مؤخراً حول النزوح الواسع لفئات عريضة من الشباب والقاصرين والنساء والأسر نحو الثغور المحتلة عبر اقتحام سبتة ومحاولات الدخول إلى مليلية، تتكشف بوضوح هشاشة السياسات العمومية وعجزها المزمن عن تحصين الرأسمال البشري وتوفير حاضنة وطنية تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم والعدالة المجالية.

إن استمرار أزمة منظومة التعليم ببلادنا، وتراجع جودتها وقدرتها على تحقيق المصعد الاجتماعي المنشود، فضلاً عن اتساع رقعة الفوارق المجالية الصارخة بين حواضر مركزية ومناطق تهميش عميق تعاني من الخصاص التنموي، واعتلاء اقتصاد الريع والامتيازات لمشهد الاستثمار وتوزيع الثروة بيد فئات محدودة على حساب مبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق، يشكل برميل بارود حقيقي ومفرخاً يومياً لليأس الجماعي. هذه الاختلالات البنيوية المركبة لا تقف عند حدود إنتاج البطالة المادية فحسب، بل تمتد لتنخر البناء النفسي والمعنوي للشباب وحاملي الشواهد، محولة إياهم من طاقات حية ومشاريع تنموية واعدة إلى كتل بشرية محبطة تشعر بأنها مهمشة خارج سياق التاريخ والتنمية.

وعندما تتآكل قنوات الاندماج الاجتماعي وتغيب آفاق الاعتراف بالمواطن كفاعل حقيقي، تتحول الهجرة والنزوح الجماعي في اللاوعي الجمعي لهؤلاء الشباب من مجرد مغامرة عادية إلى "خلاص وجودي"وصرخة تمرد غاضبة ضد واقع مسدود الأفق.

وهنا يتقاطع هذا التشخيص مع مقاربات الفيلسوف وعالم النفس إريك فروم (Erich Fromm) في تحليله لظاهرة "الهروب من الحرية" والاختناق النفسي الذي يصيب الفرد حين يفقد شعوره بالانتماء والأمان المجتمعي، فتصبح المخاطرة بالنفس أهون لديه من البقاء سجين العجز والإحباط. من هذا المنطلق، يغدو الهروب تعبيراً عن أزمة معنى عميقة يعاني منها الإنسان حين تقطّع السبل بينه وبين وطنه، مما يؤكد أن معالجة هذه الظواهر الخطيرة لا يمكن أن تتأتى بحلول أمنية أو ترقيعات مناسباتية عابرة، بل تستوجب ثورة حقيقية في السياسات العمومية، قوامها إصلاح جذري ومسؤول لمنظومة التربية والتكوين، وتفكيك بنيات الريع والاحتكار، وإرساء عدالة مجالية ومجتمعية حقيقية تعيد للإنسان اعتباره، وللوطن جاذبيته وثقته في نفوس أبنائه.

"على ضوء التجاذبات السياسية الراهنة وصعود خطابات اليمين المتطرف في ضفتي المتوسط، ما هي المعالم الكفيلة بإرساء مقاربة شمولية ومستدامة، توازن بين المصالح الإستراتيجية للدول وصون كرامة الأفراد، وتضمن استعادة الشاب لثقته الكاملة في وطنه كفاعل أساسي في مسار التنمية؟" .

في أفق المعالجة الشمولية واستعادة الأمل، وأمام التجاذبات السياسية الراهنة والتصاعد المقلق لخطابات اليمين المتطرف والعنصري في ضفتي المتوسط، تبرز صدمة مشاهد النزوح الجماعي الأخيرة كأداة تعبئة خطيرة ومثالية يقتات عليها هذا الخطاب المتطرف لتغذية الكراهية ضد المهاجرين النظاميين من دول الجنوب والعالم العربي والإسلامي، بما فيهم الجالية المغربية التي أسهمت لعقود في بناء الاقتصادات الأوروبية وإعمار مجتمعاتها.

وهنا تنكشف بوضوح الانتقائية الأوروبية الفاضحة وازدواجية المعايير والخطابات؛ فتلك الدول التي لا تكف عن إعطاء الدروس للآخرين حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون، تقف اليوم عاجزة عن حمايتها وصيانتها على أراضيها وفي مواجهة جالياتها التي أصبحت عرضة للفظ والمطاردة والتهميش بحجة واهية تُسمى "الدفاع عن الهوية الأوروبية النقية".

هذه الثنائية المفارقة بين القيم المعلنة والممارسة الإقصائية لم تكن وليدة الصدفة، بل هي امتداد لأزمة هيكلية طالما نبهت إليها دراسات أكاديمية وفلسفية رصينة؛ من ذلك ما ذهب إليه الفيلسوف إيمانويل ليبيناس (Emmanuel Levinas) في فلسفته للأخلاق والاعتراف بالآخر واستضافة "الوجه" المختلف دون خوف أو استعلاء، وكذا نقد الفيلسوف وعالم الاجتماع يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) لازدواجية العقلانية الغربية حين تتنكر لمبادئها الكونية متى تعلق الأمر بالغرباء والمهمشين.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك