أنتلجنسيا المغرب: حاوره فهد الباهي
في ظل تصاعد محاولات الهجرة غير النظامية
التي باتت تشمل الشباب والنساء والأطفال وعائلات بأكملها، يثير هذا التحول تساؤلات
عميقة حول واقع التشغيل والحماية الاجتماعية، ومدى نجاح السياسات العمومية في
توفير شروط العيش الكريم داخل الوطن. في هذا الحوار، يقدم علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، قراءته
لأسباب اتساع الظاهرة، محملا الحكومة مسؤولية سياسية عن تفاقم البطالة وتراجع
الثقة في برامج التشغيل، كما يتوقف عند التداعيات الاجتماعية والسياسية لهذه
الأزمة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
إلى أي حد تتحمل الحكومة مسؤولية تنامي محاولات الهجرة غير
النظامية في صفوف الشباب والعائلات، بمن فيهم القاصرون؟
مما لا شك فيه أن الحكومة، وخاصة وزارة الإدماج الاقتصادي
والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة؛ إذ
لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد "سلوك فردي يتوخى تحسين الدخل"، بل
تحولت إلى مؤشر مركب لفشل برامج التشغيل ومحدودية السياسات العمومية ووسائط
التأطير الاجتماعي والاقتصادي.
وقد أدى هذا التعثر إلى ارتفاع معدل البطالة إلى مستويات غير
مسبوقة تجاوزت 13%، وهو ما أكده التقرير الأخير لوالي بنك المغرب المرفوع إلى
جلالة الملك. وتشتد حدة الأزمة في صفوف الشباب بملامستها سقف 35%، وتجاوزها 25%
بين حاملي الشهادات العليا.
وما يزيد الوضع خطورة هو نسبة الشباب الموجودين خارج منظومة
التعليم والشغل والتدريب، والتي تتجاوز
25% بين الشباب المغاربة (بين 15 و24 سنة). واستمرار ظاهرة الهدر المدرسي والجامعي، وهذا يعني أن ربع هذه الفئة بات خارج أجهزة
التنشئة الاجتماعية والتأهيل الاقتصادي، مما يوقعهم في شباك الإحباط واليأس
الدائم، ويدفعهم في مرحلة أولى نحو الهجرة القروية، لتتحول في مرحلة لاحقة إلى
هجرة نحو الخارج.
إن انخراط القاصرين والأسر في هذه المحاولات يجسد انتقال
الأزمة من "بطالة أفراد" إلى "تآكلٍ للأمان الأسري". فعندما
يفقد المعيل القدرة على حماية القدرة الشرائية لأسرته وتأمين عيشها الكريم، تتحول
الهجرة من خيار لتحقيق الذات إلى دافع جماعي للنجاة، وهي نتيجة حتمية لغياب
التنسيق والتقاطع بين السياسات القطاعية وبرامج الحماية الاجتماعية.
هل يعكس إقدام مئات الشباب على الهجرة سباحة فقدان الثقة في
السياسات الحكومية المتعلقة بالتشغيل والعيش الكريم؟
إن إقدام الشباب على الهجرة سباحةً، على الرغم من المخاطر
الجسيمة التي تهدد حياتهم، يزكي ما ورد في تقريرنا المخصص لتقييم الحصيلة
الاجتماعية للحكومة مع نهاية ولايتها؛ فبرامج مثل "أوراش" و*"فرصة"*،
ورغم الضخ المالي الهائل الذي رُصد لها بمليارات الدراهم، أبانت عن اختلالات
هيكلية واضحة.
لقد اعتمدت الوزارة الوصية على حلول ترقيعية كرست الهشاشة
ومأسست الشغل المؤقت؛ إذ ركز برنامج "أوراش" على دعم مناصب شغل قصيرة
المدى (عقود تمتد لعدة أشهر) دون خلق فرص عمل مستدامة أو تحقيق إدماج حقيقي في
النسيج الاقتصادي المحلي. أدى ذلك إلى جعل الأثر المالي لهذه البرامج لحظياً ينتهي
بانتهاء فترة الدعم.
ونؤكد في هذا السياق أن الاستثمار العمومي الضخم في التشغيل
غير الهيكلي يكتفي بمعالجة "أعراض" الأزمة دون النفاذ إلى "جذورها".
إن الشباب يقيمون السياسات العمومية بناءً على النتائج الملموسة؛ وعندما يصطدم
حامل الشهادة بأفق مسدود وعروض شغل هشة، تنهار ثقته في نجاعة الوعود الحكومية،
ليغدو ركوب البحر -في نظره- البديل الوحيد المتاح عن وعود الاستقرار الغائبة.
ما الذي ينبغي على الحكومة استخلاصه من مشاهد هجرة عائلات كاملة
وأطفال قاصرين بحثًا عن مستقبل أفضل؟
إن تحول الظاهرة إلى "هجرة أسرية وقاصرين" يُعدّ
إنذاراً صريحاً بضرورة إعادة ترتيب أولويات السياسات العمومية، ومراجعة نجاعة
النموذج التنموي في تحويل النمو المالي إلى تنمية بشرية ملموسة.
وتتمثل أبرز الدروس المستفادة في الآتي:
قصور المؤشرات الماكرواقتصادية: إن تحقيق معدلات نمو معينة أو
ضبط العجز المالي لا معنى له لدى المواطن إذا لم يترجم إلى أمن اجتماعي وقدرة
شرائية متماسكة.
ارتفاع الكلفة الاجتماعية: إن استمرار هجرة الأطفال والأسر
يؤكد أن الكلفة الاجتماعية للسياسات الحالية باتت تتجاوز بكثير الميزانيات المخصصة
لها، وهو ما يستوجب الانتقال الفوري من منطق "التقارير الكمية
والعدديّة" إلى منطق "الأثر الاجتماعي الصافي".
هل تعتقدون أن استمرار هذه الظاهرة سيؤثر على صورة الحكومة وثقة
المواطنين في أدائها مع اقتراب الانتخابات؟
من المؤكد أن ملفات البطالة، والقدرة الشرائية، والهجرة ستشكل
جوهر الرهان السياسي في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث ستخضع الحكومة
للمحاسبة بناءً على مدى وفائها بالالتزامات المدونة في برنامجها الحكومي:
الفجوة بين الالتزامات والواقع: إن الوعود الصريحة التي قُدمت
في بداية الولاية (مثل خلق مليون فرصة عمل صافية وتخفيض معدلات البطالة) أصبحت
اليوم تحت مجهر المساءلة الشعبية في ظل الارتفاع الحاد لمعدلات البطالة.
مخاطر العزوف السياسي: يتسبب استمرار الإحباط الاقتصادي في
تعميق العزوف السياسي لدى فئة الشباب، مما يضعف دور أدوات الوساطة التقليدية
كالاحزاب والنقابات.
ختاماً، تخضع المحاسبة السياسية في التجارب الديمقراطية
لمعادلة بسيطة: "النتائج الملموسة مقابل الثقة". وإذا لم تلمس الفئات
الوسطى والهشة أثراً إيجابياً للسياسات العمومية في حياتها اليومية، فإن العجز
الاجتماعي يتحول تلقائياً إلى عجز سياسي يؤثر سلباً على الرصيد الانتخابي ومصداقية
الحكومة. وبالنظر إلى الهرم السكاني للمغرب، حيث يمثل الشباب العصب الأساسي
للمجتمع، فإن استقرار المغرب وتنميته المستدامة يتطلبان من الحكومات القادمة وضع
هذه الفئة في صلب الأولويات الوطنية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك