أنتلجنسيا المغرب:حاوره فهد الباهي
في هذا الحوار، يتحدث عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع
عن حقوق الإنسان، عن الدلالات الحقوقية والاجتماعية لهذا التحول، ويقدم قراءته لأسباب
اتساع الظاهرة، وانعكاساتها على الثقة في السياسات العمومية، كما يوجه انتقادات
للحكومة، معتبرا أن معالجة الهجرة غير النظامية لا تبدأ عند السواحل، بل من خلال
بناء سياسات تضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية داخل الوطن.
كيف تقرأون تحول الهجرة
غير النظامية من ظاهرة تخص الشباب الذكور إلى واقع يشمل النساء والعائلات بأكملها؟
هذا التحول مقلق للغاية، لأنه يعني أن الهجرة أصبحت قرارا
عائليا يعكس شعورا جماعيا بانسداد الأفق، فعندما تقرر أم أن تحمل أبناءها إلى
البحر، أو تقرر أسرة بكاملها المجازفة بحياتها، فإننا أضحينا أمام مؤشر خطير على تراجع الإحساس بالأمن
الاجتماعي والثقة في المستقبل، وليس فقط أمام ظاهرة مرتبطة بالهجرة، بل إنما أمام
وضع صار معه الخوف من البقاء أكبر من الخوف من الغرق.
ما الذي يدفع رجالا ونساء، بل وحتى عائلات كاملة، إلى المخاطرة
بحياتهم في البحر بحثا عن مستقبل خارج المغرب؟
السبب لا يمكن اختزاله في الفقر وحده، بل هو نتيجة تراكم
عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، من بطالة وهشاشة وغلاء المعيشة واتساع الفوارق
المجالية والاجتماعية، إضافة إلى تراجع الإحساس بجدوى الصعود الاجتماعي عبر العمل
والتعليم، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تكرس صورة مثالية عن الحياة في الخارج،
في حين تتراجع الثقة في قدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة الاجتماعية،
لذلك فإن البحر بالنسبة لكثيرين تحول في وعيهم إلى آخر فرصة للنجاة.
هل يعكس مشهد هجرة الذكور والإناث والعائلات فقدان الثقة في قدرة
السياسات الحكومية على توفير فرص العيش الكريم؟
لا يمكن الجزم بأن جميع المهاجرين فقدوا الثقة للأسباب نفسها،
لكن اتساع الظاهرة لتشمل النساء والأطفال والعائلات يعد مؤشرا قويا على وجود أزمة
ثقة في السياسات الاجتماعية والاقتصادية. فحين يصبح خيار المغامرة بالحياة أكثر
إقناعا من خيار البقاء، فهذا يستوجب تقييما صريحا لفعالية السياسات العمومية في
ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يكفلها الدستور، وعلى رأسها الحق في
الشغل والعيش الكريم والكرامة الإنسانية. كما أن تزايد محاولات العبور نحو سبتة
خلال سنة 2026 يؤكد أن الظاهرة لم تعد معزولة، بل تتخذ منحى تصاعديا يستدعي معالجة
عميقة، ويا للأسف صرنا كل سنة ننتظر فترة الصيف لنعيد نفس الإسطوانة ونكرر نفس
الخطاب ونوجه النداءات نفسها التي ظللنا نوجّها منذ سنة 2021 بعد عودة هذه الظاهرة
بقوة، لكن لا حياة لمن ننادي.
من منظور حقوقي، ما خطورة أن يصبح البحر خيارا للعائلات والشباب من
الجنسين بدل أن يكون المستقبل داخل الوطن؟
الخطورة الحقيقية هي أن الوطن يفقد وظيفته الأساسية باعتباره
فضاء للأمان والأمل وأصبح البحر، بكل ما يحمله من مخاطر الموت والاتجار بالبشر
والاستغلال، أكثر جاذبية من البقاء داخل الوطن… وبالتالي فإننا أمام إنذار حقوقي
وسياسي يستدعي وقفة وطنية شاملة، ذلك لحماية الحق في الحياة باعتباره حقا لا لا
تبدأ حمايته بإنقاذ الغرقى فقط، وإنما تنطلق بتوفير شروط العيش الكريم داخل الوطن،
لأن الكرامة هي أفضل سياسة لمكافحة الهجرة غير النظامية.
وما هو تفسيركم لصمت الحكومة لحد الساعة ؟
ومتى تكلمت الحكومة لنستغرب صمتها، ولماذا سننتظر تفاعلها وهي
المتهم الأول والأخير فيما سرنا اليه اليوم؟! وان كان من المفترض أن تبادر إلى
تقديم معطيات دقيقة للرأي العام، وأن تعلن عن تقييم موضوعي للأسباب الكامنة وراء
هذه التطورات، وأن تعرض إجراءات استعجالية لمعالجة جذور الظاهرة، فإنها ستضطر لذلك
لأنها ستكون في موقف غير قادرة فيه على الاستمرار في الصمت أو الاكتفاء بالتواصل المحدود.
ما أوصلتنا اليه هذه الحكومة لا يساعد على بناء الثقة ولا
يطمئن الأسر المغربية، خاصة في ظل توالي الحوادث المأساوية وارتفاع عدد الضحايا
المرتبطين بمحاولات العبور خلال الأسابيع الأخيرة.
ومن موقعنا في العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، فإننا
نعتبر أن الهجرة غير النظامية هي نتيجة لاختلالات تنموية وحقوقية تستوجب معالجة
شاملة. و ندعو إلى فتح نقاش وطني مسؤول حول الأسباب الحقيقية التي تدفع المغاربة،
رجالا ونساء وعائلات، إلى الارتماء في البحر، لأن إنقاذ الأرواح لا يكون فقط عند
الشواطئ، بل يبدأ من السياسات العمومية التي تجعل المواطن مؤمنا بأن مستقبله يمكن
أن يُبنى داخل وطنه، لا خارجه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك