أنتلجنسيا المغرب: حاوره فهد الباهي/م.إيطاليا
في هذا الحوار الذي أنجزه "فهد الباهي" مع الخبير
المغربي السيد "أحمد الطلحي" لموقع "أنتلجنسيا المغرب"، لا
يكتفي النقاش بتشخيص أعطاب الواقع المائي في البلاد، بل يتقدم خطوة أبعد نحو
اقتراح مخارج عملية من أزمة تتخذ كل يوم أبعادا أكثر تعقيدا.
الطلحي،
بخلفيته العلمية وخبرته الطويلة في قضايا البيئة والمناخ والتنمية، يضع القارئ
أمام صورة واضحة لعالم دخل مرحلة الاضطراب المناخي، ولمغرب انتقل بهدوء لكن بثمن
باهظ من منطق تدبير الوفرة إلى منطق تدبير الندرة.
الحوار يكشف كيف تضيع كميات
هائلة من المياه، وكيف تنهك السدود بفعل التوحل وتقادم البنيات، لكنه في المقابل
يقدم رؤية متكاملة تقوم على بناء جيل جديد من السدود، وتأهيل الأحواض المائية،
وتنويع مصادر التزود بالماء عبر التحلية والمعالجة، مع تشديد صارم على ترشيد
الاستهلاك وحماية الموارد المتاحة.
إنها مقاربة
تعتبر الماء قضية العصر وقضية المستقبل، وتدعو إلى جعلها في صلب كل السياسات
العمومية قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع يصعب تداركه.
نــص الحــــوار كامــــــلا:
السيد: أحمد الطلحي:
في البداية أشكركم على استضافتكم لي في موقع
"أنتلجنسيا المغرب"، وأتمنى للموقع التوفيق والنجاح في مسيرته الإعلامية
المتميزة.
أحمد الطلحي، خبير مغربي، متخصص في البيئة
والتنمية والعمارة الإسلامية، له عدة مؤلفات ومقالات وأبحاث، شارك في عدة مؤتمرات
علمية، ودرس كأستاذ زائر في عدد من الجامعات المغربية، كما شارك في عدد من دورات
مؤتمر المناخ الكوب، ويدير أكبر مجموعة في شبكات التوصل الاجتماعي في الوطن العربي
تحت اسم "التغيرات المناخية والتنمية المستدامة"، اختير في عام 2023 ضمن
شخصيات السنة، وفاز بالجائزة الوطنية
للتميز حول أهداف التنمية المستدامة في نسختها السادسة 2024.
- هل ما نشهده اليوم من فيضانات جارفة
وتساقطات ثلجية قياسية في أمريكا وروسيا ودول أخرى هو دليل عملي على دخول العالم
مرحلة جديدة وخطيرة من الاختلالات المناخية؟
هذه الكوارث الطبيعية تصنف ضمن الظواهر
المناخية الحدية، وهي من مظاهر التغيرات المناخية، وهي دليل واقعي على صدقية
وحقيقة التغيرات المناخية، وتدحض كل الادعاءات التي تقول غير ذلك.
ومن الظواهر الحدية أو المتطرفة: الجفاف
الطويل وموجات الحر الشديد والتساقطات بكميات كبيرة بكل أنواعها وموجات البرد
القارس والصقيع...
- لماذا تستمر كميات هائلة من مياه
الأمطار في الضياع في المغرب رغم الحاجة الملحة إليها ورغم وجود عشرات السدود
المخصصة للحقينة المائية، الأسباب؟
نعم، للأسف الشديد، في المواسم المطيرة كهذا
العام والحمد لله، هناك كميات كبيرة من المياه تضيع وتذهب إلى البحر ولا يتم
تخزينها.
فمثلا في شمال المغرب لا يتم تخزين سوى أقل
من مليارين متر مكعب في السدود المصنفة من أصل 12 مليار متر مكعب من التساقطات
السنوية، بنسبة تخزين 17 بالمائة فقط، ونسبة ضعيفة تغذي الفرشة المائية لغياب
فرشات مائية كبيرة في المنطقة، ونسبة منها طبعا تروي الحقول الزراعية والغابات
والأراضي الرعوية، لكن النسبة الأكبر تذهب إلى البحر.
وضعف الحقينة الإجمالية للسدود مرده الى عدم
وجود سدود كبرى بكثرة، فلدينا 114 سدا من أصل حوالي 150 سدا بحقينة تقل عن 50
مليون متر مكعب، وفقط أربعة سدود بحقينة تتجاوز مليار متر مكعب وتشكل مجتمعة أكثر
من نصف الحقينة الإجمالية.
لماذا، لأن أغلب السدود بنيت في عهد
الاستعمار وفي العقود الأولى من الاستقلال، وكانت تلبي الحاجيات المطلوبة للفلاحة
وللشرب آنذاك، كما أن معظم الأحواض المائية غير كبيرة، وبالتالي لا توفر كميات
كبيرة من المياه لبناء سدود كبيرة.
- إلى أي حد ساهم تراكم الأوحال داخل السدود
في تقليص قدرتها على التخزين وتحويل جزء كبير من الاستثمارات المائية إلى طاقة
معطلة، هل من حلول؟
نعم، ظاهرة توحل السدود ظاهرة منتشرة في أغلب
سدود المغرب، وهي تقلص شيئا فشيئا حجم حقينة السدود.
ونفقد سنويا ما يعادل حقينة سد بسبب التوحل.
وهناك بعض السدود خرجت من الخدمة لأنها
امتلأت بالكامل بالوحل.
والحلول تكمن في بناء سدود من الجيل الجديد،
حيث لا يتم بناء السد إلا بعد تهيئة الحوض المائي بمشاريع تثبيت التربة ومحاربة
التعرية، وهي نوعان من المشاريع: التثبيت الميكانيكي من خلال بناء حواجز بالحجارة
على طول الشعاب وروافد الأودية، والتثبيت الطبيعي من خلال عملية التشجير.
- هل هناك برامج تنظيف السدود
وصيانتها في القريب، وبعبارة أخرى هل هناك تجاهل؟
لا، ليس هناك تجاهل، وإنما الواقعية في
معالجة الظاهرة. فإزالة الوحل تكلف أكثر من كلفة بناء سد جديد.
لذلك فالحلول التي يتم اعتمادها هي تعلية
حاجز السد وبالتالي الزيادة في حجم الحقينة وتعويض ما ضاع بسبب التوحل، وفي حالة
عدم إمكانية تعلية الحاجز يتم بناء سد جديد.
- هل تدبير الموارد المائية
الحالية قادر فعلا على مواجهة توالي سنوات الجفاف والتقلبات المناخية أم أن المغرب
مقبل على أزمة مائية أعمق رغم هذه التساقطات الفجائية ؟
دائما أردد بأنه ينبغي أن نعي جميعا بأننا
انتقلنا من تدبير الوفرة إلى تدبير الندرة، والندرة سببها أولا الجفاف الطويل
الناتج عن التغيرات المناخية، وثانيا النمو الديموغرافي، وثالثا التنمية
الاقتصادية الواسعة التي تعرفها البلاد، ورابعا للتحسن المشهود للمستوى المعيشي
للسكان.
وتدبير الندرة يتم من خلال مستويين:
* المستوى الأول وهو توفير موارد مائية إضافية
من خلال: بناء السدود الكبيرة، ومشاريع التحويل المائي بين الأحواض المائية،
وتحلية مياه البحر، ومعالجة المياه العادمة...
* المستوى الثاني وهو ترشيد الاستهلاك أو
التدبير المستدام للموارد المائية من خلال: معالجة تلوث مصادر المياه العذبة،
والاستغلال العقلاني للفرشات المائية، وتجديد التجهيزات الهيدروزراعية بحيث يتم
هدر نسبة تصل إلى 40 بالمائة بسبب تقادم وتهالك هذه التجهيزات، وتعميم السقي
الموضعي، وعدم إنتاج المواد الفلاحية المستهلكة للماء بكثرة إلا للضرورة القسوى
التي تدخل في باب الأمن الغذائي، وتدوير المياه في القطاع الصناعي...
- كلمة حرة (مفتوحة):
قضية الماء أصبحت قضية العصر وقضية المستقبل،
كما أن موضوع التغيرات المناخية أصبح أمرا واقعا وله آثارا سلبية على مختلف
الميادين، وعليه وجب إعطاؤهما العناية والاهتمام اللازمين في مختلف السياسات
العمومية: في التعليم وفي الإعلام وفي الفن وفي مخططات التنمية...
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك