اليسار والبرلمان بين منطق التمثيل الانتخابي وإشكالية الجدوى السياسية

اليسار والبرلمان بين منطق التمثيل الانتخابي وإشكالية الجدوى السياسية
تقارير / السبت 14 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة

لطالما شكل البرلمان في الفكر السياسي اليساري موضوعا للسجال والقطيعة في ان واحد. فبينما يراه البعض مطبخا للسياسات العمومية ومنبرا لإسماع صوت الفئات الهشة، يعتبره آخرون الية لاحتواء المعارضة وتدجين القوى الراديكالية. في السياق الراهن، لم يعد السؤال مقتصرا على (المشاركة أم المقاطعة)، بل انتقل إلى "جدوى المشاركة" ذاتها في ظل تراجع الأدوار التقليدية للبرلمانات وهيمنة السلطات التنفيذية.

تأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على فجوة عميقة بين الخطاب الأيديولوجي للأحزاب اليسارية وبين ممارستها البرلمانية اليومية. إن تحول المشاركة إلى عرف تنظيمي أو روتين انتخابي يطرح تحديات وجودية على هذه الأحزاب، خاصة في ظل صعود تيارات شعبوية ومجتمعية بديلة تملأ الفراغ الذي تركه اليسار المؤسساتي. 

تعددت الدراسات التي تناولت أزمة اليسار، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:

1.الاتجاه البنيوي: الذي يربط تراجع اليسار بالتحولات الاقتصادية العالمية (النيوليبرالية) وتفكك الطبقة العاملة التقليدية.

2.الاتجاه التنظيمي: الذي يركز على البيروقراطية الحزبية  وضعف الديمقراطية الداخلية، مما حول الأحزاب إلى هياكل صلبة غير قادرة على التكيف مع المتغيرات.

3.الاتجاه المؤسساتي: وهو الاتجاه الذي تنتمي إليه هذه الدراسة، والذي يركز على أثر النظم الانتخابية والقوانين البرلمانية في تحجيم دور القوى المعارضة الصغرى.

أولا: الإطار النظري والمفاهيمي

يعد عالم السياسة ادم برزيفورسكي من أبرز المنظرين الذين حاولوا فهم معضلة اليسار داخل النظم الديمقراطية التمثيلية، خصوصا ما يتعلق بالتوتر القائم بين الطموح الاجتماعي الراديكالي ومتطلبات المنافسة الانتخابية. يرى برزيفورسكي أن الأحزاب الاشتراكية واليسارية تواجه ما يشبه المقايضة الانتخابية الحتمية فلكي تتمكن من الفوز بأغلبية برلمانية تسمح لها بالتأثير في السياسات العمومية، يتعين عليها توسيع قاعدتها الانتخابية إلى ما يتجاوز الطبقة العاملة لتشمل قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى. غير أن هذا التوسع لا يتم دون ثمن سياسي وأيديولوجي، إذ يفرض على هذه الأحزاب تعديل خطابها الراديكالي وتخفيف حدته حتى يصبح مقبولا لدى فئات اجتماعية أكثر اعتدالا في مطالبها ومصالحها. وبمرور الوقت، قد يؤدي هذا التكيف الانتخابي إلى تمييع الهوية الطبقية للحزب، مما يخلق شعورا بالاغتراب لدى قاعدته الاجتماعية الأصلية التي كانت ترى فيه أداة للتغيير الجذري، فتبدأ في الانفضاض عنه أو تفقد الحماسة لدعمه. بهذا المعنى، يتحول الحزب اليساري داخل اللعبة الديمقراطية إلى فاعل إصلاحي بحكم الممارسة، حتى وإن حافظ على خطاب ثوري في مستوى الشعارات.

هذا التوتر بين الراديكالية الأيديولوجية ومتطلبات العمل البرلماني ليس جديدا في الفكر السياسي اليساري، فقد انتقد كل من كارل ماركس وفلاديمير لينين ما سمي تاريخيا بالنزعة البرلمانية، أي الاعتقاد بأن الصراع السياسي يمكن حسمه داخل قاعات البرلمان فقط، مع تجاهل موازين القوى الحقيقية في المجتمع وفي الشارع. كان هذا النقد موجها إلى القوى السياسية التي تحصر استراتيجيتها في العمل المؤسساتي وتغفل دور التنظيم الاجتماعي والنضال الجماهيري في تغيير موازين القوى. وفي التحليل السياسي المعاصر يمكن إعادة قراءة هذا المفهوم في سياق ما يمكن تسميته بالروتين الانتخابي، حيث ينحصر أفق الحزب السياسي في الدورة التشريعية التي تمتد أربع أو خمس سنوات، وتتحول العملية السياسية إلى سباق دوري للحصول على المقاعد، بينما تصبح الحصيلة البرلمانية المعيار شبه الوحيد للحكم على نجاح الحزب أو فشله. هذا المنطق المؤسسي المغلق يؤدي تدريجيا إلى ما يمكن وصفه بضمور العضلات النضالية خارج المؤسسات، إذ تضعف الصلات التنظيمية بالحركات الاجتماعية والنقابات والفضاءات الاحتجاجية، ويتحول الحزب إلى جهاز انتخابي أكثر منه حركة سياسية ذات امتداد اجتماعي.

في هذا السياق تبرز مسألة الجدوى السياسية بوصفها سؤالا مركزيا في تقييم تجربة اليسار داخل المؤسسات التمثيلية. فالجدوى لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها الحزب في البرلمان، بل بقدرته على تحويل هذا الحضور العددي إلى أثر سياسي ملموس في الواقع، سواء عبر التشريعات أو عبر الرقابة الفعالة على الحكومة أو عبر التأثير في اتجاهات السياسات العمومية. بالنسبة لليسار تحديدا، تكتسب الجدوى معنى إضافيا يتجاوز البعد التقني للعمل التشريعي، إذ ترتبط بمدى قدرة الحزب على استخدام البرلمان كمنصة سياسية لتوسيع النقاش العمومي ورفع وعي الفئات الشعبية بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية. فالبرلمان، في هذا التصور، لا يختزل في كونه فضاء لصياغة القوانين فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى منبر تعبوي يسمح بربط النقاش المؤسساتي بقضايا المجتمع، وبجعل الصراعات الاجتماعية مرئية داخل المجال السياسي الرسمي. وعندما ينجح الحزب في الجمع بين العمل البرلماني والعمل المجتمعي، يصبح البرلمان أداة ضمن استراتيجية أوسع للتغيير، لا بديلاً عن الفعل السياسي في المجتمع. أما عندما ينفصل الحضور البرلماني عن الامتداد الاجتماعي، فإن المقاعد تتحول إلى مكسب رمزي محدود الأثر، ويصبح الوجود داخل المؤسسة مجرد مشاركة شكلية في إدارة التوازنات القائمة بدل أن يكون رافعة لإعادة تشكيلها.

ثانيا: تجربة اليسار المغربي مع العمل البرلماني

أولا: التحول نحو مركزية العمل الانتخابي داخل اليسار المغربي

عرفت الأحزاب اليسارية في المغرب منذ نهاية التسعينيات تحولا تدريجيا في طبيعة عملها السياسي. فبعد مرحلة طويلة كان فيها النقاش الفكري والتنظيمي يحتل موقعا مركزيا داخل هذه التنظيمات، بدأ العمل الانتخابي يتحول شيئا فشيئا إلى النشاط الرئيسي الذي يدور حوله جزء كبير من الحياة الحزبية.

هذا التحول ارتبط بعدة عوامل. فمن جهة، أدت دينامية الانفتاح السياسي النسبي التي عرفها المغرب منذ أواخر التسعينيات إلى تعزيز الاعتقاد بإمكانية تحقيق مكاسب سياسية عبر المؤسسات المنتخبة، خصوصا البرلمان والجماعات المحلية. ومن جهة أخرى، ساهمت طبيعة النظام الانتخابي نفسه في دفع الأحزاب إلى تركيز جهودها على التنافس الانتخابي باعتباره المجال الأكثر وضوحا للظهور السياسي.

ومع مرور الوقت، بدأت الحسابات الانتخابية تؤثر بشكل متزايد في بنية القرار الحزبي داخل اليسار المغربي. فبدلا من أن يكون النقاش منصبا أساسا على الخيارات الاستراتيجية الكبرى أو على موقع اليسار داخل التوازنات السياسية والاجتماعية في البلاد، أصبح جزء مهم من النقاش يدور حول قضايا مرتبطة بتوزيع الدوائر الانتخابية، واختيار المرشحين، وتقدير فرص الفوز بمقاعد محدودة في البرلمان.

أدى ذلك إلى بروز ظاهرة يمكن وصفها بانتقال مركز الثقل من (النقاش الاستراتيجي) إلى ما يشبه (الروتين الانتخابي)، حيث تصبح الانتخابات محطة شبه دائمة التنظيم والاستعداد، حتى في الفترات التي تفصل بين الاستحقاقات الانتخابية.

ثانيا: تأثير هذا التحول على طبيعة العمل السياسي داخل اليسار

كان لهذا التحول انعكاسات واضحة على طبيعة العمل السياسي داخل الأحزاب اليسارية. فمن أبرز هذه الانعكاسات تراجع النقاش الفكري حول وظيفة البرلمان ودوره في مشروع التغيير السياسي.

في مراحل سابقة، كان اليسار المغربي يناقش بعمق مسألة المشاركة في المؤسسات: هل المشاركة وسيلة للنضال من داخل النظام؟ أم أنها قد تتحول إلى آلية لاحتواء المعارضة داخل قواعد اللعبة السياسية القائمة؟ غير أن هذا النقاش بدأ يتراجع تدريجيا، ليحل محله سؤال أكثر براغماتية: كم عدد المقاعد التي يمكن الحصول عليها؟ وما هي الدوائر الأكثر قابلية للفوز؟

كما أدى هذا التحول إلى تغيير في نوعية الأدوار التي تبرز داخل التنظيمات الحزبية. ففي حين كان المثقف العضوي  أي المناضل الذي يجمع بين العمل السياسي والإنتاج الفكري والنقاش النظري  يحتل مكانة مهمة في اليسار التقليدي، بدأت تظهر مكانة أكبر لما يمكن تسميته الخبير الانتخابي أو التقني البرلماني، أي الشخص المتخصص في إدارة الحملات الانتخابية أو في العمل التشريعي داخل المؤسسات.

لا يعني ذلك اختفاء النقاش الفكري داخل اليسار المغربي، لكنه أصبح في كثير من الأحيان أقل تأثيرا في توجيه القرار الحزبي مقارنة بالحسابات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.

ثالثا: تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي كحالة دالة

تعد تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي من أبرز التجارب التي يمكن من خلالها فهم حدود العمل البرلماني لليسار في السياق المغربي. فقد تشكلت الفيدرالية كمحاولة لتجميع عدد من التنظيمات اليسارية الصغيرة التي تعاني من التشتت وضعف التمثيل الانتخابي، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الاتحادي

كان الهدف من هذا التحالف هو توحيد الجهود الانتخابية والتنظيمية لليسار الديمقراطي بهدف تحقيق حضور سياسي أكثر وضوحا داخل المؤسسات المنتخبة.

في الانتخابات التشريعية لسنة 2016 تمكنت الفيدرالية من الحصول على مقعدين في مجلس النواب، شغلهما كل من عمر بلافريج ومصطفى الشناوي

ورغم محدودية هذا التمثيل العددي، فإن التجربة أثارت اهتماما واسعا في المجال السياسي والإعلامي.

أحد أهم الجوانب التي ميزت هذه التجربة كان قدرتها على خلق نوع من الدينامية التواصلية الجديدة. فقد اعتمد النائبان بشكل مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل نقل تفاصيل العمل البرلماني إلى الرأي العام، وهو ما ساهم في كسر جزء من الحاجز التقليدي بين المؤسسة البرلمانية والمواطنين.

هذا الأسلوب في التواصل سمح بتقديم صورة مختلفة عن العمل البرلماني، حيث لم يعد النائب مجرد فاعل يعمل داخل اللجان أو الجلسات الرسمية، بل أصبح أيضا فاعلا في المجال العمومي الرقمي، يشرح مواقفه ويناقش السياسات العمومية بشكل مباشر مع المواطنين.

وقد ساعد ذلك في منح اليسار حضورا إعلاميا يفوق بكثير حجمه العددي داخل البرلمان، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مكسبا رمزيا مهما للتجربة.

لكن في المقابل، كشفت التجربة أيضا عن حدود التأثير الذي يمكن أن يمارسه حزب أو تحالف صغير داخل مؤسسة برلمانية تقوم أساسا على منطق الأغلبية العددية.

ففي النظام البرلماني المغربي، تمتلك الحكومة والأحزاب المشكلة للأغلبية القدرة على التحكم في جدول الأعمال التشريعي وفي تمرير القوانين الأساسية. وهذا يجعل من الصعب على فرق صغيرة أو نواب منفردين فرض مقترحاتهم التشريعية أو تعديل السياسات العمومية بشكل جوهري.

وقد ظهر هذا الأمر بوضوح عندما تقدم نواب الفيدرالية بعدد من المقترحات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، مثل مقترحات مرتبطة بإصلاح بعض السياسات الاقتصادية أو بملفات صناعية كبرى. إلا أن هذه المبادرات غالبا ما كانت تصطدم برفض الأغلبية أو بعدم إدراجها ضمن أولويات التشريع.

وهكذا تحولت المؤسسة البرلمانية بالنسبة لليسار، في كثير من الأحيان، إلى فضاء للتعبير السياسي والرقابة الرمزية أكثر منها فضاء فعليا لتغيير السياسات العامة.

أدى هذا الوضع إلى بروز نقاش داخلي حول جدوى العمل البرلماني بالنسبة لليسار المغربي. فبينما يرى البعض أن الوجود داخل البرلمان  حتى بمقاعد قليلة  يسمح بطرح القضايا الاجتماعية والديمقراطية داخل المؤسسة الرسمية، يرى آخرون أن تأثير هذا الوجود يظل محدودا إذا لم يكن مدعوما بقوة اجتماعية وتنظيمية خارج البرلمان.

وقد تعزز هذا النقاش مع قرار عمر بلافريج الابتعاد عن العمل السياسي الحزبي بعد انتهاء التجربة البرلمانية، وهو ما اعتبره البعض مؤشرا على الإحباط الذي قد يولده العمل داخل مؤسسات لا تسمح بهامش واسع للتأثير.

خلاصة

تكشف تجربة اليسار المغربي مع العمل البرلماني عن مفارقة أساسية: فمن جهة يوفر البرلمان منصة مهمة للتعبير السياسي وللتواصل مع المجتمع، لكنه من جهة أخرى يفرض قيودا مؤسساتية تجعل تأثير القوى الصغيرة محدودا في ظل هيمنة الأغلبية الحكومية.

ولهذا يظل السؤال الاستراتيجي مطروحا داخل اليسار المغربي: هل ينبغي الاستمرار في الاستثمار الأساسي في العمل الانتخابي والبرلماني، أم أن هذا العمل يجب أن يكون مجرد جزء من استراتيجية أوسع ترتكز أساسا على بناء قوة اجتماعية وتنظيمية خارج المؤسسات؟

قائمة المراجع

1.المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2020): "تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس: معضلات التوافق والاستقطاب"، سلسلة دراسات التحول الديمقراطي، الدوحة.

2.كمال السيد (2018): "التحول عن الاشتراكية: دراسة في مسارات اليسار العربي"، دار التنوير، بيروت.

3.فيدرالية اليسار الديمقراطي (2016): "الأرضية السياسية والبرنامج الانتخابي"، وثائق داخلية، الرباط.

4.عمر بلافريج (2021): "حصيلة ولاية برلمانية: التحديات والآفاق"، تقرير منشور على الوسائط الرقمية.

5.مجلة لباب (2023): "تحولات اليسار المعارض بالمغرب: ملامح الأفول داخل النسق"، مركز الجزيرة للدراسات.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك