أنتلجنسيا المغرب: أبو ملاك
ما زالت الرشوة تشكل واحدة من أكثر
الظواهر التي تثير قلق المغاربة، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على جودة الخدمات
العمومية وثقة المواطنين في المؤسسات. فرغم التقارير المتتالية والإجراءات
القانونية والحملات الرامية إلى محاربة الفساد، لا تزال هذه الممارسة حاضرة في عدد
من القطاعات والخدمات، بدرجات متفاوتة، ما يجعلها من أبرز التحديات التي تواجه
جهود الإصلاح والتحديث.
وتبرز شكاوى المواطنين بشكل متكرر حول
ممارسات غير قانونية مرتبطة بالحصول على بعض الوثائق الإدارية أو تسريع معالجة
الملفات أو الاستفادة من خدمات يفترض أن تقدم وفق معايير الشفافية والمساواة. كما
أن الرشوة لا تقتصر على مجال واحد، بل تمتد آثارها إلى قطاعات مختلفة، ما يضاعف من
انعكاساتها السلبية على الحياة اليومية للمواطنين.
ويؤكد مهتمون بقضايا الحكامة أن أخطر
ما في الرشوة ليس فقط الأموال التي يتم تداولها خارج الأطر القانونية، بل ما تسببه
من شعور بعدم تكافؤ الفرص وتراجع الإحساس بالعدالة بين المواطنين. فعندما يعتقد
الفرد أن الحصول على حقه يتطلب وساطة أو مقابلاً غير مشروع، فإن ذلك يضعف الثقة في
المؤسسات ويقوض مبادئ المساواة أمام القانون.
كما تترتب على هذه الظاهرة خسائر
اقتصادية واجتماعية مهمة، إذ تؤثر على مناخ الاستثمار وتعرقل التنمية وتؤدي إلى
سوء توزيع الموارد والخدمات. وتصبح الفئات الفقيرة والأكثر هشاشة هي المتضرر
الأكبر عندما تجد نفسها عاجزة عن مجاراة ممارسات غير قانونية للحصول على خدمات
أساسية.
ورغم الجهود التي تبذلها السلطات في
مجال الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة، يرى
العديد من المتابعين أن القضاء على الرشوة يتطلب عملاً متواصلاً لا يقتصر على
الجانب القانوني فقط، بل يشمل أيضاً ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية داخل الإدارة
والمجتمع.
ويعتبر خبراء أن التحول الرقمي
للخدمات العمومية يمثل إحدى أهم الوسائل للحد من فرص الرشوة، لأنه يقلل من
الاحتكاك المباشر بين المرتفق والإدارة ويعزز إمكانية تتبع الإجراءات ومراقبتها.
كما أن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل عاملاً أساسياً في مواجهة هذه
الآفة.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الدعوات
إلى تشديد الرقابة والعقوبات، يظل الرهان الحقيقي هو بناء إدارة حديثة وشفافة تجعل
الحصول على الخدمة حقاً مضموناً للجميع دون وساطة أو امتيازات غير مشروعة. ولذلك
تبقى محاربة الرشوة معركة مستمرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتعزيز دولة القانون
وتحقيق التنمية وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك