أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
مقدمة
كتاب (فرسان تحت راية النبي صلى الله
عليه وسلم) لأيمن الظواهري، الذي صدرت طبعته الثانية في عام 2010، من النصوص
المحورية في فهم تطور الفكر الجهادي المعاصر. لا يمثل هذا الكتاب مجرد مذكرات
شخصية أو سردا تاريخيا لتجربة تنظيم الجهاد المصري، بل هو في جوهره (بيان
استراتيجي) يعكس خلاصة تجربة فكرية وسياسية طويلة للظواهري، ويسعى إلى إعادة صياغة
الوعي الجهادي وبناء رؤية متكاملة لمستقبل الحركة الجهادية العالمية . تكمن أهمية
هذا العمل في كونه كتب في مرحلة مفصلية شهدت فيها الحركات الجهادية تحولات عميقة،
من التركيز على الصراع مع الأنظمة المحلية إلى التوجه نحو الصراع العالمي، مما
جعله نصا تأسيسيا لتنظيم القاعدة في مرحلته العالمية .
التحول الفكري والاستراتيجي: من المحلي إلى العالمي
يمثل كتاب (فرسان تحت راية النبي)
نقطة تحول واضحة في الفكر الجهادي، حيث يكشف عن انتقال الظواهري من التركيز على (العدو
القريب) إلى (العدو البعيد). يرى الظواهري أن الأنظمة المحلية ليست كيانات مستقلة،
بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة دولية أوسع توفر لها الحماية والدعم السياسي
والاقتصادي والعسكري. بناء على هذا التصور، يخلص الظواهري إلى أن المواجهة الفعالة
لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة داخل الحدود الوطنية، لأن الخصم الحقيقي ليس
النظام المحلي وحده، وإنما الشبكة الدولية التي تضمن استمراره .
هذه الفكرة شكلت نقطة تحول مركزية في
الفكر الجهادي، حيث مهدت للانتقال من منطق الصراع المحلي إلى منطق الصراع العالمي.
لقد رأى الظواهري أن العولمة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تقودها القوى
الكبرى تفرض على الحركات الجهادية بدورها أن تتبنى شكلا من أشكال العولمة
التنظيمية والاستراتيجية. ولذلك، يدعو الكتاب بصورة واضحة إلى تجاوز الإطار القطري
وبناء شبكة جهادية عالمية قادرة على الربط بين الساحات المختلفة وتبادل الخبرات
والموارد والأفراد . هذا التحول، الذي أصبح لاحقا السمة الأبرز لتنظيم القاعدة،
يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى استنزاف القوى الكبرى عبر صراع طويل الأمد، وبناء
نخبة جهادية عابرة للحدود والقوميات .
يقدم الظواهري في كتابه سيد قطب بوصفه
الشخصية الفكرية الأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي الجهادي الحديث. ومع ذلك، فإن
تعامله مع فكر قطب يتجاوز حدود الإشادة إلى محاولة تحويل تلك الأفكار إلى برنامج
عمل سياسي وتنظيمي عملي. يسعى الظواهري من خلال هذا التقديم إلى رسم خط متصل يبدأ
مع سيد قطب وينتهي بالحركة الجهادية المعاصرة، مما يجعل التنظيمات الجهادية الوريث
الشرعي للمشروع القطبي .
لا يكتفي الكتاب باستحضار أفكار
الحاكمية والجاهلية والصراع مع الأنظمة، بل يعمل على دمجها في إطار تنظيمي
واستراتيجي يهدف إلى إضفاء الشرعية الفكرية على التجربة الجهادية المسلحة. هذا
التأويل يعكس محاولة الظواهري لتوفير أساس نظري متين لمشروعه العالمي، مستفيدا من
الإرث الفكري لقطب لتبرير القتال المسلح وتوجيهه نحو أهداف أوسع نطاقا .
نقد الحركات الإسلامية التقليدية وبناء الهوية الجهادية
يشكل نقد
الحركات الإسلامية التقليدية أحد المحاور المركزية في كتاب فرسان تحت راية النبي
صلى الله عليه وسلم لأيمن الظواهري، إذ لا يكتفي الكاتب بسرد تاريخ الحركة
الجهادية أو الدفاع عن تجربتها، بل يعمل على بناء رؤية فكرية متكاملة تضع التيار
الجهادي في مواجهة مباشرة مع بقية التيارات الإسلامية، وخاصة الحركات الإصلاحية
والسياسية. ينطلق الظواهري من فرضية أساسية مفادها أن مشاريع الإصلاح التدريجي
والمشاركة السياسية قد فشلت في تحقيق أهدافها، وأنها انتهت في كثير من الأحيان إلى
الاندماج في المنظومة القائمة بدلاً من تغييرها جذرياً. ومن هنا يسعى إلى تبرير
الخيار الجهادي باعتباره البديل الوحيد القادر
في تصوره على إحداث تحول حقيقي في
بنية السلطة والمجتمع.
تكمن أهمية
هذا النقد في أنه لا يقتصر على رفض الوسائل السياسية التقليدية، بل يعكس أيضا أزمة
ثقة عميقة بين التيار الجهادي وبقية التيارات الإسلامية. فالظواهري يميز بشكل واضح
بين ما يسميه الإسلام الحركي أو الإصلاحي وبين الإسلام الجهادي الثوري، وهي ثنائية
ستصبح لاحقا جزءا أساسيا من خطاب تنظيم القاعدة. هذا التمييز يهدف إلى عزل التيار
الجهادي عن الحركات الإسلامية الأخرى، وتأكيد تفوق منهجه وشرعيته في مواجهة ما
يعتبره تساهلاً أو انحرافاً عن المسار الصحيح.
ويظهر هذا
التوجه في عدد من العبارات التي يوردها الظواهري في كتابه، حيث ينتقد الجماعات
التي انشغلت بحسب رأيه بالمشاركة البرلمانية والعمل النقابي والتدرج
الإصلاحي، معتبرا أن هذه الوسائل لم تؤد إلا إلى تضييع الجهاد وإضفاء الشرعية على
الأنظمة القائمة. ومن المقولات الدالة على هذا المعنى قوله:
(إن كثيرا من الحركات الإسلامية وقعت في فخ المساومات السياسية حتى فقدت قدرتها
على التغيير الحقيقي).
كما يؤكد في
موضع اخر أن:
(الجهاد ليس
مجرد وسيلة من وسائل الدعوة، بل هو ذروة سنام الإسلام والطريق إلى إقامة الدولة
الإسلامية.)
هذه العبارات
تكشف أن الظواهري لا ينظر إلى الجهاد بوصفه خيارا تكتيكيا فحسب، بل باعتباره جوهر
المشروع الإسلامي نفسه، وهو ما يمنحه مركزية مطلقة في مقابل تهميش بقية أشكال
العمل الإسلامي.
يعتمد
الظواهري في نقده للحركات الإسلامية التقليدية على عدة مستويات تحليلية. أولها
المستوى السياسي، حيث يرى أن المشاركة في المؤسسات الرسمية للدولة الحديثة تؤدي
إلى احتواء الحركات الإسلامية وإفراغها من مضمونها الثوري. فهو يعتبر أن الأنظمة
القائمة تستخدم الانتخابات والبرلمانات واليات العمل السياسي لاستيعاب المعارضين
ومنع أي تغيير جذري. وثانيها المستوى الفكري، إذ يتهم هذه الحركات بتقديم تنازلات
شرعية وفقهية تحت ضغط الواقع السياسي، وهو ما يصفه أحيانا بـ(تمييع مفهوم الحاكمية)
أو (القبول بالقوانين الوضعية). أما المستوى الثالث فهو المستوى النفسي والتنظيمي،
حيث يرى أن الانخراط الطويل في العمل السياسي السلمي يولد لدى الحركات الإسلامية نزعة
براغماتية تجعلها أكثر حرصا على البقاء التنظيمي من السعي إلى التغيير الشامل.
ويتقاطع هذا
النقد مع ما ذهب إليه عدد من الباحثين في دراسات الحركات الجهادية. فمثلا يرى جيل
كيبل أن الظواهري يمثل (اتجاها جهاديا راديكاليا تشكل في سياق خيبة الأمل من
الإسلام السياسي التقليدي)، بينما يؤكد فواز جرجس أن كتاب فرسان تحت راية النبي
يعكس (محاولة لإعادة تعريف الشرعية الإسلامية على أساس الجهاد العالمي لا المشاركة
الوطنية).
لا يقتصر
الكتاب على النقد الفكري والسياسي، بل يخصص الظواهري مساحة واسعة للحديث عن شخصيات
وتجارب مختلفة،مثل شخصية سيد قطب لكنه لا
يفعل ذلك بدافع التأريخ البحت، وإنما بهدف صناعة نموذج رمزي للأجيال الجديدة.
فالشخصيات التي يستحضرها من قادة الجهاد
الأفغاني أو المصري أو غيرهم لا تقدم
باعتبارها شخصيات تاريخية فقط، بل باعتبارها نماذج للاقتداء والتضحية. ولذلك يركز
على قيم الصبر والثبات والوفاء للفكرة أكثر مما يركز على النتائج العملية للتجارب
نفسها.
ومن العبارات
التي تكشف هذا البعد الرمزي قوله:
(إن دماء
الشهداء هي التي تصنع طريق الأمة وتوقظ فيها روح العزة والجهاد)
وقوله أيضا:
(التاريخ
الإسلامي لم يصنعه المترفون، بل صنعه الرجال الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله.)
هذه المقولات
تؤدي وظيفة تعبئة وجدانية واضحة فهي تنقل الجهاد من كونه فعلا سياسيا إلى كونه
قيمة أخلاقية وهوية جماعية. وهكذا يتحول التاريخ في الكتاب إلى أداة لصناعة الهوية
الجماعية وترسيخ الشعور بالاستمرارية التاريخية للمشروع الجهادي. فالأجيال الجديدة
لا تطلب منها فقط دراسة التجارب السابقة، بل استبطانها نفسياً وروحياً باعتبارها
امتداداً لمسار تاريخي طويل يبدأ في تصور
الظواهري من السيرة النبوية ويمتد عبر (فرسان) الجهاد المعاصرين.
ينظر
أيمن الظواهري في كتاب فرسان
تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم إلى سيد قطب بوصفه الشخصية الفكرية
الأكثر تأثيرا في تشكل التيار الجهادي المعاصر، بل يقدمه باعتباره نقطة التحول
الكبرى التي أعادت صياغة الوعي الإسلامي الثوري خلال النصف الثاني من القرن
العشرين. غير أن قراءة الظواهري لسيد قطب لا تأتي في إطار دراسة تاريخية أو فكرية
شاملة لمجمل مشروعه الفكري، وإنما تتخذ طابعا انتقائيا يركز على العناصر التي يمكن
توظيفها في بناء السردية الجهادية وإضفاء الشرعية الفكرية عليها. فالظواهري يرى أن
الأهمية الحقيقية لسيد قطب لا تكمن فقط في نقده للأنظمة السياسية القائمة، بل في
كشفه لما يعتبره طبيعة الصراع بين الإسلام والأنظمة الحاكمة، وفي نقله للحركة
الإسلامية من منطق الإصلاح التدريجي إلى منطق التغيير الجذري. ومن هذا المنطلق
يصور قطب باعتباره المفكر الذي أعاد إحياء مفاهيم الجاهلية المعاصرة والحاكمية
لله، وأكد ضرورة تكوين طليعة مؤمنة تحمل مشروع التغيير وترفض التكيف مع الواقع
السياسي القائم أو المساومة معه.
ويولي
الظواهري أهمية خاصة لتجربة سيد قطب الشخصية، ولا سيما اعتقاله وإعدامه سنة 1966،
حيث يقدم هذه المحطة باعتبارها لحظة مفصلية في تاريخ الحركة الإسلامية الحديثة.
فبحسب تصوره، لم يؤد إعدام قطب إلى إنهاء تأثيره الفكري، بل أسهم في تحويله إلى
رمز وشهيد للفكرة، الأمر الذي منح كتاباته قوة تعبئة استثنائية بين أوساط الشباب
الإسلامي. ويربط الظواهري بصورة مباشرة بين سياسات القمع والسجون في عهد جمال عبد
الناصر وبين نشأة الأجيال الجهادية اللاحقة، معتبرا أن تجربة السجن وما رافقها من
تعذيب ومواجهة مع السلطة ساعدت على انتشار أفكار قطب وترسيخها باعتبارها مرجعية
فكرية للمجموعات التي اختارت طريق المواجهة المسلحة.
وفي
سياق بناء شرعية المشروع الجهادي، يسعى الظواهري إلى تقديم الحركات الجهادية
المعاصرة بوصفها الامتداد الطبيعي للأفكار التي طرحها سيد قطب، حيث يجعل من تراثه
الفكري نقطة الانطلاق الأساسية التي انبثقت منها التنظيمات الجهادية اللاحقة. إلا
أن هذا الربط يظل محل نقاش واسع بين الباحثين في الحركات الإسلامية، إذ يرى عدد
منهم أن التنظيمات الجهادية تجاوزت كثيرا من الأطروحات التي صاغها قطب، وطورتها في
اتجاهات أكثر راديكالية. فبينما ركز قطب على مفاهيم الجاهلية والحاكمية والطليعة
المؤمنة، ذهبت بعض التنظيمات الجهادية إلى بناء نظريات تتبني مفهوم الجهاد العالمي
العابر للحدود، وهي قضايا لم يعالجها سيد قطب بالصورة التفصيلية والحاسمة التي
ظهرت لاحقا في أدبيات التنظيمات الجهادية.
ومن
خلال قراءته لسيد قطب، يستثمر الظواهري أربعة مفاهيم أساسية هي الجاهلية المعاصرة،
والحاكمية لله، والطليعة المؤمنة، وحتمية الصراع بين الإسلام والأنظمة القائمة، ثم
يعيد دمجها ضمن مشروع فكري واستراتيجي يرتبط بتجربة تنظيم القاعدة والجهاد
العالمي.
تتجاوز
الهوية الجهادية في الكتاب مجرد الانتماء التنظيمي، لتصبح منظومة متكاملة من
التصورات والقيم. فهي تقوم على ثنائيةالمؤمن المجاهد في مقابل المتخاذل أو المساوم،
وعلى فكرة الاصطفاء والتميز عن بقية المجتمع والتيارات الإسلامية. كما تعتمد على سردية
المظلومية العالمية، حيث يصور الجهاد باعتباره ردا على العدوان العالمي على الأمة
الإسلامية. هذه العناصر مجتمعة تمنح الأتباع شعورا بالمعنى والرسالة التاريخية،
وهو ما يفسر قدرة الخطاب الجهادي على جذب بعض الشباب الباحثين عن هوية واضحة وموقف
حاسم من الواقع.
وفي هذا
السياق، يشير الباحث توماس هيغهامر إلى أن الخطاب الجهادي ينجح غالبا في تحويل
الإحباطات السياسية والاجتماعية إلى هوية نضالية ذات بعد ديني وأخلاقي. كما يرى
لوران مورافيتش أن الظواهري يستخدم التاريخ والرموز الإسلامية لبناء (ذاكرة جهادية
مشتركة تعزز تماسك الجماعة واستمرارها).
يمكن القول
إن كتاب فرسان تحت راية النبي لا يمثل مجرد مذكرات أو سرد تاريخي، بل هو نص
أيديولوجي يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الإسلامي من منظور جهادي ثوري. فمن خلال نقد
الحركات الإسلامية التقليدية، يسعى الظواهري إلى نزع الشرعية عن مشاريع الإصلاح
التدريجي والمشاركة السياسية، وتقديم الجهاد باعتباره الطريق الوحيد للتغيير
الحقيقي. وفي الوقت نفسه، يوظف التاريخ والرموز والشخصيات الجهادية لبناء هوية
جماعية قائمة على التضحية والثبات والاستمرارية التاريخية. ومن هنا تأتي أهمية
الكتاب في فهم التحولات الفكرية داخل الحركة الجهادية المعاصرة، وفي إدراك الكيفية
التي تُبنى بها الهوية الجهادية عبر المزج بين النقد السياسي والتعبئة الرمزية
والتأويل التاريخي.
تفسير الإخفاقات ومراجعة الذات
تكشف القراءة المتأنية للكتاب عن
محاولة واضحة لتفسير إخفاقات الماضي دون المساس بالمرتكزات الفكرية الأساسية
للمشروع. يعترف الظواهري بفشل العديد من التجارب والمحاولات، لكنه يرفض أن يكون
هذا الفشل دليلا على خطأ الفكرة نفسها. وبدلا من ذلك، يعزو الإخفاق إلى عوامل
تتعلق بسوء التخطيط أو ضعف الإمكانات أو اختلال التوقيت أو الظروف السياسية غير
المناسبة .
هذه النقطة مهمة لفهم العقل
الاستراتيجي للظواهري، لأنه يتعامل مع الفشل باعتباره أزمة تنفيذ لا أزمة نظرية.
ومن ثم، فإن الحل في نظره لا يكمن في مراجعة المشروع، بل في تطوير أساليب تطبيقه
وتحسين شروط نجاحه . هذا النهج يسمح للظواهري بالحفاظ على الإطار الفكري العام
للحركة الجهادية، مع إمكانية تعديل التكتيكات والاستراتيجيات لمواجهة التحديات
الجديدة، دون التشكيك في صحة المبادئ الأساسية.
لقد عاش الظواهري تجارب شخصية قاسية
من الهزيمة والاعتقال، وقد أثرت هذه التجارب بشكل عميق في صياغة رؤيته
الاستراتيجية التي تدعو إلى الصبر والمثابرة رغم النكسات . بدلا من أن تؤدي
الهزائم إلى التراجع أو المراجعة الجذرية للفكر، استخدمها الظواهري كدليل على
ضرورة توسيع نطاق الصراع وتغيير الأهداف، مما يعكس قدرة على تحويل الأزمات إلى فرص
لإعادة التموضع الاستراتيجي.
ويشير
تقرير صادر عن مركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت إلى أن الظواهري أدرك مبكرا
أهمية الحاضنة الشعبية وتأثير الأحداث التي تمس المدنيين، مثل مقتل الطفلة شيماء،
على الدعم الشعبي للحركات الجهادية . إذ يبرز من خلال كتاب فرسان تحت راية النبي صلى الله
عليه وسلم أن الظواهري لم يكن ينظر إلى الصراع من زاوية القوة العسكرية
وحدها، بل كان يولي اهتماما متزايدا للعوامل الاجتماعية والسياسية المؤثرة في نجاح
أو فشل المشاريع الجهادية. فقد أظهرت التجارب التي عايشها، وخاصة في مصر خلال
تسعينيات القرن الماضي، أن امتلاك التنظيمات للعقيدة والتنظيم والسلاح لا يضمن
بالضرورة تحقيق أهدافها إذا فقدت التأييد المجتمعي أو تحولت إلى عبء على البيئة
التي تنشط داخلها. وقد ساهمت المواجهات العنيفة بين الدولة المصرية والتنظيمات
الجهادية، وما رافقها من سقوط ضحايا مدنيين، في تشكيل وعي استراتيجي جديد لدى
الظواهري، حيث أدرك أن بعض العمليات التي تستهدف أو تمس المدنيين تؤدي إلى نتائج
عكسية تتمثل في تراجع التعاطف الشعبي وتوفير مبررات إضافية للأنظمة لتشديد حملاتها
الأمنية والإعلامية ضد هذه التنظيمات.
ومن
هذا المنطلق، أصبحت الحاضنة الشعبية في تصور الظواهري شرطا أساسيا لاستمرار العمل
الجهادي وليس مجرد عامل مساعد له. فالتنظيم، في نظره، يحتاج إلى بيئة اجتماعية
متفهمة لخطابه، وإلى متعاطفين يوفرون له أشكالا مختلفة من الدعم والحماية، كما
يحتاج إلى شرعية معنوية تحول دون عزله الكامل عن المجتمع. ولذلك رأى أن فقدان
التأييد الشعبي قد يكون أكثر خطورة من الخسائر البشرية التي تتعرض لها التنظيمات،
لأن المقاتلين يمكن تعويضهم، بينما يصعب تعويض مجتمع أصبح ينظر إلى الحركة
باعتبارها مصدر تهديد لمصالحه وأمنه. وقد انعكس هذا الإدراك على تطور اهتمام
الظواهري بالجانب الإعلامي والدعائي، حيث انتقل التفكير من التركيز على إدارة
العمليات المسلحة إلى الاهتمام بإدارة الصورة الذهنية للحركة لدى الجمهور. فالحرب،
وفق هذا المنظور، لا تحسم في ساحات القتال فقط، بل تخاض أيضا في المجال الإعلامي
وفي معركة كسب الرأي العام.
ويظهر
هذا التوجه بوضوح في انتقادات الظواهري للعمليات التي تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة
من المدنيين المسلمين، ليس فقط من منطلقات شرعية، وإنما أيضا من اعتبارات
استراتيجية تتعلق بالحفاظ على التعاطف الشعبي ومنع الخصوم من استثمار تلك الأحداث
في تشويه صورة الحركات الجهادية. فمثل هذه العمليات، في نظره، تمنح الأنظمة والدول
المعادية مادة دعائية فعالة، وتضعف من قدرة التنظيمات على تقديم نفسها باعتبارها
مدافعة عن مصالح الأمة أو معبرة عن تطلعاتها. ومن هنا جاء تركيزه المتزايد على
الخطاب الإعلامي والرسائل الموجهة إلى الجماهير، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من
الصراع.
كما
تساعد هذه الرؤية في تفسير جانب مهم من الخلاف الفكري والاستراتيجي الذي ظهر لاحقا
بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. ففي الوقت الذي تبنى فيه تنظيم الدولة
أسلوبا يقوم على إظهار العنف المفرط واستخدامه بصورة علنية ومكثفة، سعى الظواهري
إلى التأكيد على ضرورة مراعاة البيئة الاجتماعية وعدم خسارة المجتمعات السنية التي
تمثل المجال الحيوي لنشاط التنظيمات الجهادية. ولذلك برزت في أدبيات القاعدة
مفاهيم مثل كسب القلوب والعقول، والتدرج في تطبيق المشروع، وتجنب الصدام غير
الضروري مع المجتمع، والسعي إلى بناء تحالفات محلية تساعد على ترسيخ الوجود
التنظيمي وتوسيع نطاق التأثير.
ولا
يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن بعض المبادئ المعروفة في نظريات حروب العصابات
والثورات المسلحة، التي تؤكد أن نجاح الحركات غير النظامية يرتبط بقدرتها على
الاندماج في بيئتها الاجتماعية والاستفادة من دعمها. فالظواهري، رغم اختلاف
مرجعيته الفكرية والدينية عن المنظرين الثوريين في القرن العشرين، انتهى إلى
استنتاج قريب يتمثل في أن أي حركة مسلحة لا تستطيع العمل في فراغ اجتماعي، وأن
المجتمع يمثل المجال الحيوي الذي يحدد إمكانات النجاح والفشل على السواء. ومن ثم
لم يعد السؤال المركزي في تفكيره مقتصرا على كيفية إلحاق الهزيمة بالخصوم، بل امتد
ليشمل كيفية المحافظة على التأييد المجتمعي أو على الأقل منع تحوله إلى موقف عدائي
تجاه الحركة.
وتكشف
هذه الرؤية عن تحول مهم في التفكير الاستراتيجي للظواهري، إذ أدرك من خلال التجارب
المصرية والأفغانية والعراقية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء مشروع طويل
الأمد أو لضمان استمراره. فحتى في الحالات التي تحقق فيها الجماعات المسلحة مكاسب
ميدانية أو انتصارات مؤقتة، فإن غياب القبول الشعبي قد يؤدي في النهاية إلى انهيار
تلك المكاسب وفشل المشروع برمته. لذلك تحولت الحاضنة الشعبية في فكره من عنصر
ثانوي إلى ركيزة أساسية من ركائز البقاء والاستمرار، وأصبحت تمثل أحد أبرز الفوارق
بين المدرسة القاعدية التي سعى إلى ترسيخها والمدرسة الداعشية التي أعطت الأولوية
للسيطرة الميدانية والعنف المباشر أكثر من اهتمامها بالحفاظ على التأييد المجتمعي
وبناء الشرعية الاجتماعية على المدى البعيد.
الظواهري كـ (مؤرخ) و(منظر) في ان واحد
كتاب فرسان تحت راية النبي أكثر من مجرد مذكرات
أو سرد تاريخي لتجربة الحركة الجهادية فهو في جوهره محاولة واعية من أيمن الظواهري لإعادة كتابة تاريخ الإسلام السياسي
المعاصر من منظور جهادي. فالظواهري لا يتقمص دور القائد أو المنظر فحسب، بل يقدم
نفسه أيضا بوصفه مؤرخا يمتلك رواية بديلة للتاريخ تختلف عن الروايات الرسمية
للدول، وعن سرديات الحركات الإسلامية التقليدية، وحتى عن الدراسات الأكاديمية
الغربية. ومن هنا فإن الكتاب يمثل تداخلا فريدا بين وظيفة المؤرخ ووظيفة المنظر،
حيث يتحول التاريخ إلى أداة لإنتاج الشرعية الفكرية والسياسية للمشروع الجهادي.
إن
أول ما يلفت الانتباه هو أن الظواهري لم يكتب هذا التاريخ بدافع التوثيق المحايد
للأحداث، وإنما بدافع الدفاع والتبرير وإعادة التأويل. فالكتاب كتب في مرحلة كانت
الحركة الجهادية تتعرض فيها لضغوط غير مسبوقة بعد أحداث هجمات 11 سبتمبر، وفي وقت بدأت فيه مراجعات
الجماعات الجهادية المصرية، وتصاعدت الانتقادات الموجهة لتنظيم القاعدة من داخل
التيار الإسلامي وخارجه. ولذلك يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لتقديم
الرواية الرسمية الجهادية للتاريخ المعاصر، والدفاع عن مشروعية الخيار الجهادي في
مواجهة خصومه.
ومن
هذا المنطلق يتحول السرد التاريخي عند الظواهري إلى نوع من البوح العقدي. فهو لا
يروي الأحداث باعتبارها وقائع ماضية فحسب، بل باعتبارها شواهد تؤكد صحة رؤيته
الفكرية. فكل محطة تاريخية يتم استحضارها تؤدي وظيفة أيديولوجية محددة. فهزيمة
العرب في حرب يونيو 1967 تصبح دليلا على فشل
القومية العربية، وصعود التيارات الإسلامية يصبح دليلا على عودة الإسلام إلى قيادة
الأمة، وفشل الحركات الإسلامية الإصلاحية يتحول إلى برهان على عقم المشاركة
السياسية، بينما تقدم التجارب الجهادية باعتبارها الامتداد الطبيعي لمسار المقاومة
الإسلامية.
ولا
يتعامل الظواهري مع التاريخ بوصفه سلسلة معقدة من العوامل السياسية والاجتماعية
والاقتصادية، بل يعيد اختزاله في صراع بين الحق والباطل، وبين المشروع الإسلامي
والمشاريع المنافسة. وهذه النزعة تمنحه القدرة على إنتاج سردية متماسكة وسهلة
الاستيعاب، لكنها في الوقت نفسه تجعل قراءته انتقائية فهو يسلط الضوء على الوقائع
التي تخدم استنتاجاته ويتجاهل أو يقلل من أهمية الوقائع التي قد تناقضها.
ويبرز
البعد التنظيري بشكل أوضح عندما يستخدم التاريخ لاستخلاص القواعد الاستراتيجية
للحركة الجهادية. فالكتاب ليس مجرد تأريخ للماضي، بل محاولة لتعليم الأجيال
القادمة كيفية فهم الواقع والتعامل معه. لذلك نجد أن الظواهري يستعرض تجارب
الحركات الإسلامية والجهادية المختلفة ثم يحولها إلى دروس استراتيجية: لماذا فشلت
بعض الحركات؟ لماذا نجحت أخرى؟ ما الأخطاء التي يجب تجنبها؟ وما المسارات التي
ينبغي اتباعها؟ وهنا يتحول المؤرخ إلى منظر، ويتحول الماضي إلى مختبر لاستخراج
القواعد الفكرية والتنظيمية.
ومن
أهم وظائف السرد التاريخي في الكتاب بناء الشرعية. فالظواهري يدرك أن أي مشروع
سياسي أو ثوري يحتاج إلى شرعية تاريخية تبرر وجوده. ولذلك يسعى إلى ربط الحركة
الجهادية بسلسلة ممتدة من الرموز والأحداث التاريخية. فهو يقدم الحركة الجهادية
باعتبارها امتدادا للمقاومة الإسلامية عبر التاريخ، وليس مجرد ظاهرة حديثة نشأت في
ظروف سياسية معينة. ومن خلال هذا الربط يحاول أن يمنح مشروعه عمقا تاريخيا يتجاوز
عمر التنظيمات الجهادية نفسها.
كما
يستخدم التاريخ لإعادة صياغة الهوية الجهادية. فالهوية هنا لا تبنى فقط على النصوص
الدينية، بل أيضا على الذاكرة التاريخية المشتركة. ولهذا يكثر الظواهري من استحضار
شخصيات مثل سيد قطب، ويعرضها بوصفها محطات
مفصلية في تطور الفكر الجهادي. غير أن هذه الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها موضوعًا
للدراسة التاريخية بقدر ماتقدم بوصفها رموزا مؤسسة للهوية الجهادية المعاصرة.
واللافت
أن الظواهري يكتب التاريخ من موقع الفاعل لا من موقع المراقب. فهو ليس مؤرخا يدرس
الحركة الجهادية من الخارج، بل أحد صناع هذا التاريخ. وهذه الخاصية تمنح الكتاب
قيمة توثيقية مهمة لأنه يقدم شهادة من الداخل، لكنها في الوقت نفسه تجعله نصا
دفاعيا يهدف إلى تبرير القرارات والخيارات التي شارك الكاتب نفسه في صنعها. ولذلك
فإن الكتاب يكشف بقدر ما يخفي، ويوضح بقدر ما يعيد تشكيل الوقائع وفق رؤية صاحبه.
ويمكن القول في النهاية إن أهمية فرسان تحت راية النبي لا تكمن فقط في كونه مصدرا لتاريخ الحركة الجهادية، بل في كونه نموذجا لكيفية توظيف التاريخ في خدمة المشروع الأيديولوجي. فالظواهري لا يكتب التاريخ لكي يفهم الماضي، بل كتب الماضي لكي يبرر الحاضر ويرسم المستقبل. ومن هنا يظهر كـ(مؤرخ مناضل) أكثر منه مؤرخا أكاديميا مؤرخ يسعى إلى بناء شرعية فكرية وتنظيمية للمشروع الجهادي، وإقناع القارئ بأن هذا المشروع ليس مجرد خيار سياسي بين خيارات متعددة، بل النتيجة المنطقية والحتمية لمسار التاريخ الإسلامي المعاصر كما يراه هو. وهذا ما يجعل الكتاب نصا تأسيسيا في فهم العقل الاستراتيجي للظواهري بقدر ما هو نص في كتابة التاريخ الجهادي وإعادة إنتاجه.
خاتمة
يظل كتاب فرسان تحت راية النبي صلى
الله عليه وسلم وثيقة فكرية أساسية لفهم التحولات الكبرى التي عرفتها القاعدة
والعقل الاستراتيجي الجهادي في مرحلته العالمية . لقد نجح الظواهري في هذا العمل
في إعادة تعريف العدو، وإعادة رسم حدود الصراع، وإعادة بناء الذاكرة الجهادية،
وسعى إلى تحويل الهزائم السابقة إلى مادة لإعادة الانطلاق .
على الرغم من أهمية الكتاب في فهم
الفكر الجهادي، إلا أن التجربة التاريخية اللاحقة أظهرت وجود أخطاء جوهرية في
تقديراته الاستراتيجية. فقد بالغ في تقدير قدرة الخطاب الجهادي على تعبئة
الجماهير، وافترض أن الضربات الكبرى ستؤدي إلى نهوض شعبي واسع، بينما أثبت الواقع
أن العلاقة بين العمل المسلح والتأييد المجتمعي أكثر تعقيدا بكثير. كما قلل من
قدرة الدول على التكيف مع التحديات الأمنية، ولم ينجح في استيعاب حجم التحولات
الاجتماعية والثقافية التي كانت تعيد تشكيل أولويات المجتمعات الإسلامية بعيدا عن
التصورات الجهادية .
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في صحة جميع افتراضاته، بل في كونه يعكس بوضوح العقل الاستراتيجي لأحد أبرز منظري الجهاد العالمي، ويقدم رؤية شاملة لتطور هذا الفكر من المحلي إلى العالمي. إن فهم هذا الكتاب وتحليله بعمق ضروري لأي درا
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك