الجفاف لا يضرب الأرض فقط ودراسة صادمة تكشف كيف يزرع التغير المناخي الخوف في عقول الفلاحين المغاربة

الجفاف لا يضرب الأرض فقط ودراسة صادمة تكشف كيف يزرع التغير المناخي الخوف في عقول الفلاحين المغاربة
تقارير / الجمعة 12 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

لم تعد أزمة المناخ في المغرب مجرد معركة ضد ندرة المياه وتراجع الأمطار وخسائر المحاصيل، بل تحولت إلى معركة نفسية صامتة تدور داخل عقول آلاف الفلاحين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مستقبل يزداد غموضاً سنة بعد أخرى.

فبعيداً عن المؤشرات الاقتصادية والتقارير الزراعية التقليدية، كشفت دراسة علمية حديثة عن جانب خفي من تداعيات التغير المناخي، يتمثل في الأثر النفسي العميق الذي يتركه على الفلاحين المغاربة، حيث تبين أن طريقة إدراك المخاطر المناخية لا ترتبط فقط بحجم الجفاف أو الخسائر الزراعية، وإنما تتأثر أيضاً بسمات الشخصية والتركيبة النفسية لكل فرد.

وتوصلت الدراسة، التي استندت إلى معطيات ميدانية شملت مئات الأسر الزراعية بجهة مراكش آسفي، إلى نتائج مثيرة تكشف أن الفلاحين لا يعيشون المخاطر المناخية بالطريقة نفسها، حتى عندما يواجهون الظروف البيئية ذاتها ويعانون من التأثيرات نفسها.

فبينما يظهر بعضهم مستويات مرتفعة من القلق والانشغال تجاه مستقبل الزراعة والمياه والإنتاج، يبدو آخرون أكثر قدرة على التكيف النفسي والتعامل مع التهديدات المناخية بأعصاب أكثر هدوءاً.

وتسلط هذه النتائج الضوء على بعد ظل لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام في السياسات العمومية المتعلقة بالمناخ، وهو البعد النفسي والوجداني. فالمشكلة لم تعد تقتصر على تراجع التساقطات أو توالي سنوات الجفاف، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بما يشعر به الفلاح تجاه تلك التحولات، وكيف يفسرها ويتفاعل معها ويستعد لمواجهتها.

وجاءت جهة مراكش آسفي في قلب هذه الدراسة باعتبارها واحدة من أكثر المناطق المغربية هشاشة أمام التغيرات المناخية.

فهذه الجهة الممتدة على مساحة شاسعة تعيش منذ سنوات تحت ضغط مناخ شبه جاف يتميز بتذبذب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، بينما تتلقى مناطق واسعة منها كميات محدودة جداً من التساقطات السنوية، الأمر الذي جعلها نموذجاً مثالياً لفهم التأثيرات المركبة للأزمة المناخية على المجتمعات القروية.

وتبرز أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى أن الزراعة تشكل العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، حيث يعتمد عشرات الآلاف من الفلاحين على زراعة الحبوب البورية كمصدر رئيسي للعيش والدخل.

غير أن توالي سنوات الجفاف واستنزاف الموارد المائية وتراجع المردودية الزراعية حول النشاط الفلاحي إلى معركة يومية ضد المجهول، ما جعل المخاوف المناخية جزءاً من الواقع النفسي للسكان القرويين.

وكشفت الدراسة أن الفلاحين الذين يتمتعون بدرجة عالية من الاستقرار العاطفي كانوا الأقل شعوراً بالقلق تجاه التغير المناخي. ويرجع ذلك إلى قدرتهم الأكبر على التحكم في الانفعالات والتعامل مع الضغوط وعدم اليقين.

أما الفلاحون الأكثر انفتاحاً على التجارب والأكثر اندماجاً في العلاقات الاجتماعية والتواصل مع الآخرين، فقد سجلوا مستويات أعلى من القلق المناخي، بسبب متابعتهم المستمرة للمعلومات والأخبار وتفاعلهم الأكبر مع التهديدات البيئية التي تحيط بهم.

وتكشف هذه النتيجة مفارقة لافتة؛ فالأشخاص الأكثر وعياً وانفتاحاً على العالم هم أيضاً الأكثر عرضة للقلق تجاه المخاطر المناخية. فكلما اتسعت دائرة المعرفة والإحاطة بالمخاطر، ارتفع مستوى الإحساس بالخطر والتهديد.

وفي المقابل، يساهم الاستقرار النفسي والقدرة على ضبط المشاعر في تخفيف حدة هذا القلق حتى في ظل الظروف الصعبة.

كما أظهرت الدراسة أن الروابط الاجتماعية تلعب دوراً مزدوجاً ومعقداً. فمن جهة، توفر شبكات التضامن العائلي والقبلي والمحلي دعماً نفسياً يساعد على التخفيف من المخاوف الفردية.

لكن من جهة أخرى يمكن أن تتحول هذه الشبكات نفسها إلى فضاءات تنتقل عبرها المخاوف الجماعية عندما تتزايد التهديدات البيئية وتتكرر الأزمات المناخية.

ومن بين أكثر النتائج إثارة للانتباه أن القلق الأكبر لدى الفلاحين لا يرتبط مباشرة بصحتهم أو أوضاعهم الشخصية، بل يتركز أساساً حول مستقبل الإنتاج الزراعي ومردودية المحاصيل.

فالهواجس المرتبطة بخسارة الغلة الزراعية وتراجع الإنتاج احتلت صدارة المخاوف، وهو ما يعكس مدى ارتباط الأسر القروية بالأرض واعتمادها المباشر على المواسم الفلاحية كمصدر للحياة والاستقرار.

كما رسمت الدراسة صورة دقيقة للواقع الاجتماعي للفلاحين في المناطق المتضررة من التغيرات المناخية، حيث أظهرت أن أغلبهم ينتمون إلى فئات عمرية متقدمة نسبياً، ويعيشون ارتباطاً تاريخياً قوياً بأراضيهم ومجتمعاتهم المحلية.

كما أن العديد منهم شهدوا خلال العقود الماضية سلسلة من الظواهر المناخية القاسية، من موجات جفاف وارتفاع في درجات الحرارة وتراجع مستمر في الموارد المائية، الأمر الذي عمق شعورهم بعدم اليقين تجاه المستقبل.

وترى الدراسة أن التعامل مع أزمة المناخ لم يعد ممكناً عبر الحلول التقنية وحدها، مثل السدود أو أنظمة الري أو البذور المقاومة للجفاف، بل أصبح من الضروري إدماج البعد النفسي ضمن سياسات التكيف المناخي.

فالفلاح الذي يشعر بالخوف والقلق يتخذ قرارات مختلفة عن ذلك الذي يتمتع بثقة أكبر في قدرته على مواجهة التحديات، ما يجعل فهم الجوانب النفسية عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل برامج التكيف.

ولهذا دعت الدراسة إلى إعادة النظر في طرق التواصل مع الفلاحين بشأن المخاطر المناخية، مؤكدة أن الرسائل الموحدة لم تعد كافية للوصول إلى جميع الفئات.

فلكل فلاح طريقته الخاصة في فهم المخاطر والتفاعل معها، وهو ما يفرض تطوير استراتيجيات أكثر دقة تراعي الاختلافات النفسية والاجتماعية داخل العالم القروي.

وفي وقت يواصل فيه المغرب مواجهة واحدة من أصعب موجات الجفاف والتغيرات المناخية في تاريخه الحديث، تكشف هذه النتائج أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط في الحقول والفرشات المائية والسدود، بل تمتد أيضاً إلى داخل النفوس والعقول.

فالتغير المناخي لم يعد أزمة بيئية أو اقتصادية فحسب، بل أصبح تحدياً نفسياً واجتماعياً يعيد تشكيل علاقة الإنسان المغربي بأرضه ومستقبله ومصادر عيشه، ويطرح أسئلة جديدة حول كيفية بناء القدرة على الصمود في مواجهة عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك