أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل
في الوقت الذي
تواجه فيه أسر مغربية صعوبات متزايدة في تدبير مصاريفها اليومية، من كلفة الغذاء
إلى السكن والعلاج والتعليم، تواصل الحكومة تقديم وعود بتوسيع الدعم الاجتماعي
وتحسين آليات الاستفادة منه. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يحتاج
المواطن إلى وعود تمتد على مدى ولاية حكومية كاملة، أم إلى مساعدة ملموسة تخفف عنه
أعباء الحياة الآن؟ فالفقر لا ينتظر انتهاء البرامج، والحاجة لا تؤجل فواتيرها إلى
حين تنفيذ الالتزامات.
تبدو المفارقة
واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تعميم الحماية الاجتماعية وتطوير الدعم
المباشر، وبين واقع أسر تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين احتياجات أساسية لا تقبل
التأجيل. فالمواطن الذي يعجز عن توفير مستلزمات أطفاله أو أداء مصاريف العلاج لا
تعنيه كثيرا لغة المؤشرات والخطط إذا لم يلمس أثرها في حياته اليومية. وما يحتاجه
ليس فقط إعلانا عن برامج جديدة، بل دعما يصل في الوقت المناسب، وبقيمة تتناسب مع
تكاليف المعيشة.
ولا تكمن
المشكلة في مبدأ الدعم الاجتماعي، بل في توقيته وفعاليته ومدى قدرته على الوصول
إلى المستحقين. فكلما طال الانتظار، ازدادت المخاوف من أن تتحول الوعود إلى عناوين
سياسية جميلة، بينما تظل الأسر الهشة عالقة في دوامة الغلاء والديون والاحتياجات
المتراكمة. كما أن تعقيد المساطر أو ضعف التواصل بشأن شروط الاستفادة قد يجعل بعض
المواطنين يشعرون بأن البرامج الموجهة إليهم موجودة في الخطاب أكثر مما هي موجودة
في واقعهم.
أما الحديث عن
توسيع الدعم تدريجيا خلال السنوات المقبلة، فيطرح سؤالا سياسيا واجتماعيا مشروعا:
لماذا يُطلب من المواطن الصبر كل هذا الوقت، بينما لا تتوقف التزاماته اليومية؟
فالولاية الحكومية ليست مقياسا لصبر الأسر، ولا ينبغي أن تتحول المواعيد السياسية
إلى سقف زمني تنتظر عنده الفئات المحتاجة تحسن أوضاعها. وإذا كانت الحكومة تعتبر
الحماية الاجتماعية أولوية، فإن هذه الأولوية ينبغي أن تظهر في سرعة التنفيذ ووضوح
المعايير وشفافية النتائج، لا في تكرار الوعود من مناسبة إلى أخرى.
والأخطر أن
استمرار الفجوة بين التصريحات والواقع قد يضعف ثقة المواطنين في البرامج
الاجتماعية نفسها. فعندما يسمع المواطن عن مبالغ مخصصة وإجراءات مرتقبة، ثم لا يجد
تغييرا ملموسا في ظروف عيشه، يصبح من حقه أن يسأل عن مصير هذه الالتزامات، وعن
الجهات المسؤولة عن تأخرها، وعن الضمانات التي تمنع تحولها إلى وعود مؤجلة أو إجراءات
لا تحقق الأثر المنتظر. فالثقة لا تُبنى بالإعلان عن النوايا، بل بالنتائج القابلة
للقياس والمحاسبة.
إن المطلوب
اليوم ليس التخلي عن الإصلاحات طويلة الأمد، بل الجمع بينها وبين تدخلات عاجلة
تحمي الأسر من الانزلاق إلى مزيد من الهشاشة. ويقتضي ذلك تسريع معالجة طلبات
الدعم، وتحسين استهداف المستفيدين، ومراجعة قيمة المساعدات في ضوء تكاليف المعيشة،
ونشر معطيات واضحة حول عدد المستفيدين والآجال والنتائج. فالتخطيط للمستقبل ضرورة،
لكن ترك المواطن يواجه أزمته وحده إلى حين اكتمال الخطة ليس سياسة اجتماعية ناجعة.
في النهاية،
لا يحتاج المواطن المغربي إلى أن يُطلب منه انتظار ولاية حكومية كاملة حتى يشعر
بأن الدولة تقف إلى جانبه؛ إنه يحتاج إلى أثر ملموس اليوم، وإلى ضمانات بأن
المساعدة الموعودة ستصل فعلا ولن تتبخر وسط التأجيلات والتبريرات. فالحماية
الاجتماعية ليست شعارا انتخابيا ولا وعدا مؤجلا، بل مسؤولية يومية تُقاس بقدرتها
على صون كرامة الإنسان وتخفيف معاناته. والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة
بوضوح هو: كم من الأسر ستنتظر بعد، وماذا ستفعل لمساعدتها قبل أن يصبح الانتظار
عبئا يفوق قدرتها على الاحتمال؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك