إسرائيل تتمكن وتتمدد وأمتنا تتجزأ وتتمزق

إسرائيل تتمكن وتتمدد وأمتنا تتجزأ وتتمزق
أقلام حرة / السبت 10 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ما بقي الكيان الصهيوني يسرح ويمرح، ويفسد ويخرب، ويحتل ويعتدي، وينتهك ويخترق، ويغتال ويقتل، ولا يجد من يصده ويقاومه، ويضع له بالقوة حداً وبالسلاح يواجهه، ولا يخشى من دولةٍ أو يخاف من جيشٍ، فلن تكون "دولة أرض الصومال" هي الدولة الأخيرة التي تنسلخ عن دولتها العربية الأم "الصومال"، وتعلن استقلالها وتتحدى أمتها، وتلجأ إلى الكيان الصهيوني ليعترف بها ويطبع معها، ويدعو المجتمع الدولي للاعتراف بها والإقرار بشرعية وجودها، ويخف لزيارتها ويفتح الأبواب لاستقبال قادتها، ويعلن دعمه الصريح لها وتأييده لحقها في الانسلاخ والاستقلال، ويبدي استعداده لتزويدها بالسلاح والعتاد وغيره مما تحتاج إليه ويجعلها قادرة على قتال أمها وأمتها، ومحاربة أبناء شعبها، والتصدي لشقيقاتها العربية على جانبي البحر الأحمر، والاشتراك معه في التآمر عليهم وعلى القضية الفلسطينية، لتصفيتها وترحيل أهلها وشطب وجودهم من أرضهم وانتزاعهم من وطنهم.

إنها المخططات الصهيونية القديمة التي كانت أماني وأحلاماً ومشاريع من خيال، حلم بها الآباء المؤسسون للكيان الصهيوني، ودونوها في كتبهم وأوردوها في مخططاتهم، وأعلنوا عنها ونشروها ولم يخفوها أو يخافوا منها، بل جاهروا بها ودعوا إليها وشجعوا عليها، وأيدتهم فيها بريطانيا وفرنسا قديماً، وجاءت معهم ومن بعدهم الولايات المتحدة الأمريكية تحقق أحلامهم، وتصدق نبوءاتهم، وتمهد الطريق لهم، وتذلل العقبات لهم وتزيلها من أمامهم، فالمشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الغربي الأمريكي، والأهداف والمخططات واحدة، والأدوات نفسها وإن تغيرت أشكالها وتبدلت صورها، فما لم يتمكنوا من تحقيقه قديماً وإن نجحوا بسايكس بيكو بتحقيق أكثرها، فقد كلفوا بها كيانهم الذي خلقوه وزرعوه بيننا وفي قلب أمتنا العربية والإسلامية.

لن تكون "دولة أرض الصومال" هي الدولة الأخيرة التي تسلخها إسرائيل عن أمتها وتنزعها من حاضنتها، تماماً كما لم تكن "دولة جنوب السودان" التي سلخت قبل سنواتٍ معدودة عن دولة السودان العربية الأصيلة وُغرِّبت عن بيئتها هي الأولى، فالكيان الصهيوني الذي يظن في نفسه أنه قد نجح وتمكن، وانتصر وهيمن، وهزم المقاومة وفكك محورها، وأنه أصبح الدولة الأقوى والأكثر تأثيراً في المنطقة، والأكثر قدرة على الفعل والتنفيذ والمبادرة وفرض الإرادة، ولا يوجد من يعترض عليه ويمنعه، أو يقف في وجهه ويخالف سياسته، أو يقف ضد مصالحه ويهدد أمنه وسلامة كيانه وأمن مستوطنيه ومستقبلهم الآمن المستقر فيه.

قد تكون الصومال هي البقعة الأضعف في عالمنا العربي، وأنها تعيش اضطراباتٍ وتوتراتٍ سياسية وأمنية منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأنها مهيأة عملياً للتقسيم منذ سنواتٍ طويلة، لكن محاولات التقسيم والتمزيق، والشرذمة والتفتيت قد تطال الدول العربية الكبرى والقوية، فلا يخفي العدو الإسرائيلي نواياه بتقسيم ما بقي من دولة السودان من جديد، وتقسيم سوريا إلى دولٍ سنية وعلوية ودرزية وكردية، ومعها لبنان وفق ذات التصنيف وارتباطاً به ووصلاً، ويخطئ من يظن أن العين الإسرائيلية غافلة عن المملكة العربية السعودية، التي يرى أنها في أصلها ثلاث ممالك قديمة، وأنه له في كلٍ منها إرثٌ وماضٍ وتاريخ، وأنه يتوق للعودة إليها والإقامة فيها، واستعادة ما كان له فيها وتعويضه عما خسره وفقده فيها.

أما ليبيا فهي كما اليمن، تخط حدود دولها المنتزعة من رحمها بالقلم، وتحدد بالسكين وتفرض بالسلاح، ويعين الكيان الإسرائيلي على تحقيق أحلامه في هذين البلدين العزيزين، إضافةً إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، عددٌ غير قليل من أبناء أمتنا العربية، الذين قد نصف بعضهم بأنهم سذجٌ وبلهاء، وجهلاءٌ أغبياء، وخدوعون وموهومون، بينما نصف غيرهم بلا تردد أو تلطيف، بأنهم مجرمون متآمرون، وأعداءٌ متخفون، وأنهم لا يختلفون عن العدو الإسرائيلي بل يتفقون معه، وأنهم لا يعارضون سيادته بل يخدمون عنده ويعملون معه، ويمهدون السبيل له وينوبون أحياناً عنه، ولعلهم يعلمون عظم جريمتهم وفداحة فعلتهم، ورغم ذلك فإنهم مستمرون في سياستهم، وماضون في تنفيذ مخططات العدو ومخططاتهم.

ألا فليعلم العالمون والجاهلون، والحذرون والغافلون، والحريصون والمفرطون، والقوميون والقطريون، والموهومون بالقوة والمسكونون بالرفعة، والظانون أنهم في مأمنٍ في بلادهم، والمخدوعون أنهم في سلامٍ مع حلفائهم، الذين أهملوا فلسطين وتخلوا عن مقاومتها التي كان من الممكن أن تردع العدو وتلجمه، وتضيق عليه وتمنع حركته، وسكتوا على الحرب عليها ومولوا جانباً منها وشجعوا العدو على مواصلتها وعدم التراجع عن أهدافها.

وليعلموا العدو الإسرائيلي ومعه الولايات المتحدة الأمريكية وشياطين الغرب الاستعماري القديم، لن يتوقف عن محاولات تمزيق الأمة العربية والإسلامية وتفتيتها، وأنه بعد أن فكك جيشين كبيرين من جيوش الأمة العربية الكبيرة، فإنه يفكر في تفكيك الجيش العربي الأول في مصر وحله، وهو الجيش الذي كان ولا زال هو جيش الأمة العربية الأقوى، محل الثقة ومحط الأمال.

وليعلموا أن عينه لا تغيب عن الجزائر التي تبني جيشها وتراكم قوتها، وتهيئ صفها وتعيد بناء مؤسساتها، وهو لن يتوقف بكل السبل المباشرة وغير المباشر، والصريحة والملتوية، عن محاولات تفكيك جيوش الأمة القوية، التي من الممكن أن تكون يوماً في مواجهته، وتشكل خطراً على وجوده، فاحذروا أن يأتي اليوم الذين نبكي فيه بكاء النساء عن مُلكٍ لم ندافع عنه دفاع الرجال، أو أن نقول فيه "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، وحينها "ولات حين مندمٍ".

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك