سؤال الثروة في المغرب ومفارقة صعود المليونيرات وتراجع العدالة الاجتماعية

سؤال الثروة في المغرب ومفارقة صعود المليونيرات وتراجع العدالة الاجتماعية
أقلام حرة / الأربعاء 18 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:نعيم بوسلهام

كشف تقرير المخاطر العالمية لسنة 2026 أن المخاطر المجتمعية تمثل أكبر تهديد يواجه المغرب اليوم، في ظل تصاعد البطالة، وهشاشة سوق الشغل، وضعف الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، وغياب التوزيع العادل للثروة. المفارقة الصادمة أن هذه الخلاصة تتزامن مع معطيات تُظهر تضخماً غير مسبوق في أعداد الأثرياء، بما يضع البلاد أمام معادلة سياسية وأخلاقية مقلقة: كيف يتكاثر المليونيرات في وقت تتآكل فيه الطبقة الوسطى ويتسع هامش الهشاشة؟

بحسب تقرير African Wealth Report 2025 الصادر عن شركة Henley & Partners بشراكة مع New World Wealth، بلغ عدد المليونيرات في المغرب 7500 شخص، محتلاً المرتبة الثالثة إفريقياً بعد جنوب إفريقيا ومصر، ومتقدماً على نيجيريا وكينيا. كما يضم المغرب 35 شخصاً يملكون أكثر من 100 مليون دولار، وأربعة مليارديرات، مع نمو بنسبة 40% خلال العقد الأخير في أعداد أصحاب الثروات الصافية العالية.

هذه الأرقام، في ظاهرها، قد توحي بدينامية اقتصادية صاعدة. غير أن السؤال الجوهري ليس كم عدد المليونيرات؟ بل: كيف توزعت ثمار النمو؟ ومن استفاد فعلياً من السياسات العمومية؟

يصنف التقرير ذاته “التوزيع غير العادل للثروة” خامس أكبر تهديد يواجه المغرب. وهو توصيف لا يعبّر فقط عن تفاوت في الدخل، بل عن اختلال بنيوي في توزيع الأصول والفرص والولوج إلى الخدمات الأساسية. حين ترتفع الثروات الفردية بوتيرة متسارعة، في مقابل ركود الأجور وتدهور القدرة الشرائية، فإننا لا نكون أمام نجاح اقتصادي شامل، بل أمام إعادة تمركز للثروة داخل دوائر ضيقة.

في عهد حكومة عزيز أخنوش، تعزز خطاب “الدولة الاجتماعية”، لكن المؤشرات الاجتماعية الصلبة تكشف فجوة بين الشعارات والنتائج. البطالة في صفوف الشباب لا تزال مرتفعة، وسوق الشغل يتسم بالهشاشة، بينما تتوسع الامتيازات الضريبية والاستثمارية التي تصب غالباً في صالح كبار الفاعلين الاقتصاديين. المفارقة أن رئيس الحكومة نفسه يعد من أبرز رجال الأعمال في البلاد، ما يطرح سؤال تضارب المصالح في سياق ترتفع فيه ثروات النخبة الاقتصادية بشكل لافت.

لا جدال في أن جذب الاستثمارات وتطوير قطاعات استراتيجية أمر ضروري. غير أن الإشكال يكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي: هل نحن أمام اقتصاد منتج يخلق قيمة مضافة وفرص شغل واسعة؟ أم أمام بنية يغلب عليها الطابع الريعي، حيث تُراكم الثروات عبر الامتيازات والصفقات الكبرى والتموقع داخل شبكات النفوذ؟

حين تصبح مدن مثل مراكش قبلة للأثرياء الباحثين عن أنماط عيش فاخرة، كما أشار التقرير، فإن ذلك يعكس جاذبية عقارية وسياحية، لكنه لا يعني بالضرورة تحسناً في شروط عيش المواطنين العاديين. الاقتصاد الذي يزدهر في قطاع العقار الفاخر لا ينعكس تلقائياً على المدرسة العمومية أو المستشفى الإقليمي أو القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل.

الدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد برامج الدعم المعلنة، بل بمدى قدرتها على تقليص الفوارق. فإذا كان المغرب يحتل مراتب متقدمة إفريقياً في عدد المليونيرات، بينما يُصنَّف التفاوت الاجتماعي كأحد أكبر مخاطره المستقبلية، فإن ذلك يعني أن الثروة تتراكم بوتيرة أسرع من إعادة توزيعها.

إن تضخم عدد أصحاب الملايين ليس في حد ذاته مشكلة؛ فالثروة الخاصة يمكن أن تكون مؤشراً على حيوية الاقتصاد. لكن حين يقترن هذا التضخم بتراجع الخدمات العمومية، وتآكل الطبقة الوسطى، وارتفاع معدلات البطالة، فإنه يتحول إلى مؤشر اختلال عميق في العدالة الجبائية والاجتماعية.

المغرب اليوم أمام خيارين: إما مواصلة نموذج تنموي يسمح بتركيز الثروة في الأعلى مع الاكتفاء بتدابير اجتماعية جزئية لاحتواء الاحتقان، أو الشروع في إصلاحات هيكلية جريئة تعيد توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدلاً، وتعزز الاستثمار في التعليم والصحة، وتدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها المحرك الحقيقي للتشغيل.

ففي النهاية، لا يُقاس نجاح الدول بعدد مليارديراتها، بل بقدرتها على ضمان الكرامة الاقتصادية لغالبية مواطنيها. أما حين يصبح ازدهار القلة عنوان المرحلة، ويغدو التفاوت الاجتماعي خطراً معلناً في تقارير دولية، فإن الأمر لا يتعلق بنجاح اقتصادي، بل بإنذار سياسي واجتماعي مبكر

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك