ترسانة إسرائيلية على أبواب إسبانيا..كيف غيّرت أسلحة المغرب معادلات الأمن في مضيق جبل طارق؟

ترسانة إسرائيلية على أبواب إسبانيا..كيف غيّرت أسلحة المغرب معادلات الأمن في مضيق جبل طارق؟
شؤون أمنية وعسكرية / السبت 05 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

أعادت التحولات المتسارعة في القدرات العسكرية المغربية رسم جزء من المشهد الأمني في غرب المتوسط، بعدما وسّعت المملكة تعاونها الدفاعي مع إسرائيل ليشمل منظومات متقدمة في مجالات الاستطلاع والضربات الدقيقة والدفاع الجوي، في وقت تتابع فيه إسبانيا هذه الدينامية باهتمام متزايد بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح الأمنية والعسكرية بين ضفتي مضيق جبل طارق.

ويكشف تطور الترسانة المغربية أن الأمر لا يتعلق باقتناء سلاح منفرد، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين وسائل جمع المعلومات، والذخائر الجوالة، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، بما يمنح القوات المسلحة الملكية قدرات أوسع في اكتشاف التهديدات والتعامل معها وتنفيذ ضربات دقيقة على مسافات بعيدة.

ويبرز نظام "هاروب" الإسرائيلي ضمن أبرز الأسلحة التي أثارت الانتباه في هذا السياق، باعتباره ذخيرة جوالة تجمع بين الاستطلاع والهجوم، إذ تستطيع التحليق لمسافات طويلة والبحث عن الهدف قبل الانقضاض عليه. ويُقدّر مدى بعض نسخ هذه المنظومة بنحو ألف كيلومتر، وهو رقم يجعل أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية تقع، من الناحية النظرية، داخل نطاقها، بحسب نقطة الإطلاق والنسخة المستخدمة وظروف التشغيل.

ويمنح هذا النوع من السلاح بعداً مختلفاً للقدرات المغربية، لأنه لا يعتمد بالضرورة على استخدام مقاتلة مأهولة للوصول إلى الهدف، بل يتيح تنفيذ مهمة استطلاع ثم تحويل المنظومة نفسها إلى وسيلة هجومية عند تحديد الهدف، الأمر الذي يرفع من قيمة المعلومات الاستخباراتية وسرعة الانتقال من الرصد إلى الضرب.

وتضيف منظومة "PULS" الصاروخية التي تنتجها شركة "إلبيت سيستمز" طبقة أخرى إلى هذه القدرات، إذ صممت الراجمة لاستخدام ذخائر متعددة العيارات والمديات، مع إمكانية وصول بعض الذخائر إلى نحو 300 كيلومتر. وتختلف القدرة الفعلية باختلاف الصاروخ المتوفر لدى المستخدم ومكان تمركز المنظومة، غير أن انتشار مثل هذه القدرات في شمال المملكة يجعل جنوب إسبانيا جزءاً من الحسابات النظرية المرتبطة بمدى النيران بعيدة المدى.

ويأتي صاروخ "EXTRA" ضمن الحلقة نفسها، بمدى يقارب 150 كيلومتراً، وبقدرة على توجيه ضربات دقيقة ضد أهداف برية. ورغم أن مداه أدنى من مدى "هاروب" وبعض ذخائر "PULS"، فإن خصوصية الجغرافيا في المنطقة تمنحه أهمية أكبر مما قد يوحي به الرقم وحده، خصوصاً مع ضيق المسافة الفاصلة بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا.

ويأخذ البعد الدفاعي بدوره مكانة مركزية في عملية تحديث الترسانة المغربية، مع دخول منظومة "Barak MX" الإسرائيلية إلى حسابات الدفاع الجوي للمملكة، وهي منظومة صممت للتعامل مع طيف متنوع من التهديدات الجوية، من الطائرات والمسيّرات إلى الصواريخ الجوالة وبعض التهديدات الباليستية، ضمن مفهوم الدفاع الجوي متعدد الطبقات.

ويعني إدخال مثل هذه المنظومة أن تحديث القدرات المغربية لا يسير في اتجاه زيادة القوة النارية فقط، وإنما يتجه أيضاً إلى تعزيز قدرة القوات المسلحة على حماية المنشآت والقوات والمواقع الاستراتيجية من الهجمات الجوية، وهو عنصر أساسي في أي تصور حديث للدفاع عن المجال الوطني.

وتنضم منظومة "SPYDER" إلى هذه البنية الدفاعية، مستندة إلى صواريخ من عائلة "Python" و"Derby"، ومخصصة للتعامل مع الطائرات والمسيّرات ومختلف الأهداف الجوية. وتختلف قدراتها بحسب النسخة والصاروخ المستخدم، إذ تتدرج عائلة المنظومة من نسخ قصيرة المدى إلى إصدارات أبعد مدى، ما يسمح بتكييفها مع طبيعة المهمة والمنطقة التي يجري نشرها فيها.

وتكتسب هذه الأنظمة أهمية إضافية عندما توضع في سياق جغرافي خاص مثل شمال المغرب، حيث لا تفصل سوى مسافات قصيرة بين الأراضي المغربية والأراضي الإسبانية، بينما توجد مدينتا سبتة ومليلية على الساحل الشمالي للمملكة، وهو ما يجعل أي تحول كبير في قدرات الاستطلاع أو الدفاع الجوي أو الضربات بعيدة المدى موضع متابعة من الجانب الإسباني.

وتتجاوز أهمية هذا التعاون، في المقابل، حدود الصواريخ والذخائر، بعدما ارتبط المغرب أيضاً بتقارير حول اهتمامه بقدرات فضائية إسرائيلية مخصصة للاستطلاع والمراقبة، من بينها تقارير تحدثت عن احتمال اقتناء قمر من عائلة "Ofek". وفي حال تأكد امتلاك مثل هذه القدرة، فإنها ستضيف بعداً استخباراتياً متقدماً إلى المنظومة العسكرية المغربية، من خلال تعزيز إمكانات مراقبة مساحات واسعة وجمع المعلومات حول المنشآت والتحركات والبنية التحتية.

ويكشف تجميع هذه القدرات أن التحول الحقيقي لا يكمن في مدى كل سلاح على حدة، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تعمل بها هذه الأنظمة ضمن شبكة واحدة؛ فالمعلومات التي توفرها وسائل الاستطلاع يمكن أن تدعم عمليات الاستهداف، بينما تمنح الصواريخ والذخائر بعيدة المدى قدرة على الوصول إلى أهداف على مسافات أكبر، في الوقت الذي توفر فيه أنظمة الدفاع الجوي مظلة لحماية القوات والمنشآت.

وتفرض هذه المعادلة نفسها على الحسابات الأمنية الإسبانية بحكم الموقع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن هذه الأسلحة اقتنيت بهدف مواجهة إسبانيا أو أنها موجهة إليها تحديداً. فامتلاك المغرب لهذه القدرات يدخل في سياق أوسع لتحديث قواته المسلحة وتعزيز قدراته الدفاعية والهجومية، غير أن قرب البلدين يجعل أي تطور في المدى أو الدقة أو وسائل الرصد مؤثراً بصورة مباشرة في تقديرات الأمن والدفاع لدى مدريد.

ويزيد من حساسية المشهد استمرار تحديث القوات المسلحة الملكية على أكثر من محور، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والمسيّرات وأنظمة الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والأسلحة الدقيقة، وهو ما يحول التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي من مجرد صفقات منفصلة إلى أحد مكونات عملية أوسع لإعادة بناء القدرات القتالية والتكنولوجية للمغرب.

ويضع هذا التطور إسبانيا أمام واقع أمني جديد في الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على حجم القوات أو عدد الطائرات، وإنما أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الأنظمة الحديثة على الرصد والاستهداف والعمل بصورة مترابطة، وبكيفية تأثير هذه القدرات في التوازنات العسكرية داخل منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً.

وتفرض هذه التحولات على مدريد، في نهاية المطاف، متابعة دقيقة لمسار التحديث العسكري المغربي، ليس لأن الترسانة الجديدة تعني تلقائياً وجود مواجهة عسكرية مقبلة، وإنما لأن تطور القدرات على الضفة الجنوبية للمتوسط يغير بالضرورة طبيعة الحسابات الدفاعية على الضفة الشمالية، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع ملفات سبتة ومليلية ومضيق جبل طارق وأمن المتوسط.

ويكرس التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي، بهذا المعنى، تحولاً مهماً في ميزان القدرات بالمنطقة، بعدما أصبح المغرب يمتلك مزيجاً من أسلحة الاستطلاع والضربات الدقيقة والدفاع الجوي، فيما تبقى دلالة هذه الترسانة مرتبطة قبل كل شيء بطريقة استخدامها ومواقع نشرها والعقيدة العملياتية التي ستؤطرها، وهي عوامل تحدد مدى انتقال هذه القدرات من مجرد أرقام ومواصفات تقنية إلى تأثير فعلي في المعادلة الأمنية لغرب المتوسط.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك