أنتلجنسيا:أبو فراس
بعد أشهر من الترقب، يقترب برنامج المقاتلات المغربية F-16V Block 70/72 من محطة حاسمة، في وقت فرضت فيه التعقيدات التقنية المرتبطة بدمج أنظمة متطورة تعديلات إضافية واختبارات جديدة على البرنامج، ما أدى إلى تأخير نسبي في موعد تسليم الطائرات للقوات الجوية الملكية المغربية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذا التأخير لا يرتبط بالجانب المغربي وحده، بل طال برامج أخرى تستفيد من النسخة الأحدث من مقاتلات F-16، نتيجة التحديات التي فرضها إدخال حزمة واسعة من التقنيات الجديدة إلى منصة عريقة جرى تطويرها بشكل كبير.
وبحسب تصريحات من مسؤول في شركة لوكهيد مارتن، كشفت اختبارات الطيران الأولية عن صعوبات مرتبطة بدمج الأنظمة الجديدة، الأمر الذي دفع إلى إدخال تعديلات على تصميم بعض مكونات الطائرة وإعادة الاختبارات لاحقاً، قبل التأكد من معالجة المشكلات المسجلة.
وتكمن أهمية النسخة التي سيحصل عليها المغرب في أنها لا تمثل مجرد تحديث تقني للمقاتلات الموجودة في الخدمة، بل قفزة كبيرة في قدرات الاستشعار والاتصالات والحرب الإلكترونية ومعالجة البيانات. فالمقاتلة تعتمد راداراً من نوع AESA، إلى جانب منظومات إلكترونيات طيران وحوسبة واتصال متقدمة، صممت لرفع قدرتها على اكتشاف الأهداف والتعامل معها ضمن بيئة قتالية شديدة التعقيد.
كما تستفيد F-16V من تقنيات مرتبطة بالتطورات التي عرفتها المقاتلات الأمريكية الأحدث، خصوصاً في مجالات دمج البيانات والاشتباك الشبكي وإدارة المعلومات، فيما حصلت قمرة القيادة على تحديثات واسعة تجعل الطيار قادراً على التعامل مع كمية أكبر من المعطيات في وقت أقصر.
ومن أكثر العناصر إثارة في هذا التطوير منظومة Viper Shield للحرب الإلكترونية، التي طورتها شركة L3Harris، والتي توفر للمقاتلة قدرات متقدمة في اكتشاف التهديدات والتشويش والحماية الإلكترونية. ويكتسب دمج هذه المنظومة داخل هيكل الطائرة أهمية خاصة، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات هندسية ساهمت في تمديد مراحل الاختبار والتطوير.
وبالنسبة للمغرب، فإن النتيجة النهائية قد تكون أكثر أهمية من عامل التأخير نفسه، إذ تشير المعطيات إلى أن الطائرات التي ستصل إلى المملكة ستكون نتاج مرحلة أكثر تقدماً من التطوير والاختبار مقارنة بالتصور الأولي للبرنامج.
وكان المغرب قد أعلن سنة 2019 عن صفقة لاقتناء 24 مقاتلة من طراز F-16 Block 72، في إطار خطة واسعة لتحديث أسطول القوات الجوية الملكية. ومع اكتمال البرنامج، ستضاف هذه المقاتلات إلى أسطول F-16 الموجود أصلاً، بما يعزز قدرات المملكة في القتال الجوي والضربات الدقيقة والاستطلاع والاستهداف والعمل ضمن منظومة متكاملة للاستشعار والإنذار المبكر.
كما ستمنح حزمة التسليح المرتبطة بهذه المقاتلات قدرة أكبر على تنفيذ مهام جو-جو وجو-أرض، مع الاستفادة من التطور الكبير في الرادارات والاتصالات والحرب الإلكترونية والربط الشبكي.
لكن وصول F-16V لن يكون بالضرورة نهاية سباق تحديث القوة الجوية المغربية، بل قد يشكل بداية لمرحلة أكثر طموحاً. فبعد تعزيز أسطول F-16، سيبرز بقوة السؤال المتعلق بالمقاتلة التي يمكن أن تمثل الجيل التالي من الطيران الحربي المغربي، وسط حديث متواصل عن خيارات مثل F-35 الأمريكية أو Rafale F4 الفرنسية.
وفي حال اتجه المغرب نحو مقاتلة من الجيل الخامس، فإن F-35 يمكن أن تكمل F-16V من خلال قدرات التخفي والاستشعار والاندماج الشبكي، بينما ستوفر المقاتلات المغربية الجديدة من طراز F-16 أعداداً وقدرات متعددة المهام ضمن تشكيل جوي أكثر تنوعاً.
أما خيار Rafale F4، فيمكن أن يقدم بديلاً متقدماً من مقاتلات الجيل الرابع++، بقدرات قوية في القتال الجوي والضربات بعيدة المدى والحرب الإلكترونية، بما يسمح بتشكيل قوة جوية متعددة المنصات والمهام.
وفي موازاة المقاتلات، يبدو أن الرهان لن يتوقف عند الطائرات القتالية، إذ تزداد أهمية منظومات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وطائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي، وطائرات التزود بالوقود في الجو، إلى جانب الطائرات المسيرة والمروحيات الحديثة.
فالمعادلة الجديدة في الحروب الجوية لم تعد تقوم على عدد المقاتلات وحده، وإنما على قدرة الطائرات على العمل ضمن شبكة واحدة تجمع الرادارات والاستشعار والاتصالات والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية، وتحول البيانات المتفرقة إلى قرار قتالي سريع.
وبذلك، فإن التأخير الذي رافق برنامج F-16V المغربي قد يتحول من نقطة ضعف زمنية إلى مكسب تقني، إذا كان ثمنه الحصول على مقاتلات أكثر نضجاً واختباراً وأكثر قدرة على استيعاب الأنظمة الحديثة. ومع اقتراب موعد التسليم، تبدو F-16V مرشحة لتكون إحدى أهم ركائز المرحلة الجديدة في تحديث القوة الجوية الملكية المغربية، وليس مجرد إضافة عددية إلى أسطول قائم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك