أنتلجنسيا:أبو فراس
يتجه معرض مراكش الدولي للطيران إلى التحول من مجرد موعد لاستعراض أحدث الطائرات إلى واجهة تكشف بصورة أكثر وضوحًا عن التحولات العميقة التي تعرفها المنظومة الدفاعية المغربية، بعدما برمجت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية مشاركة لافتة في دورة أكتوبر المقبل، مع توجهها لعرض مجموعة من منتجاتها العسكرية، وفي مقدمتها الصاروخ الباليستي «لورا» (LORA)، أحد أبرز أنظمة الضربات الدقيقة بعيدة المدى التي تطورها إسرائيل.
حضور «لورا» في مراكش لا يبدو تفصيلا عابرا، خصوصا أن الصاروخ يرتبط بمنظومة تكنولوجية متقدمة تجمع بين المدى الكبير والدقة والمرونة العملياتية. فالمنظومة مصممة للإطلاق من منصات برية وبحرية، فيما طورت الشركة الإسرائيلية لاحقا نسخة مخصصة للإطلاق من الجو، ما يجعلها نظاما متعدد الاستخدامات وقادرا على تنفيذ ضربات بعيدة المدى من أكثر من منصة.
وتكمن حساسية الموضوع بالنسبة إلى المغرب في أن اسم «لورا» يظهر في لحظة تشهد فيها العلاقات الدفاعية بين الرباط وتل أبيب توسعا متدرجا، بالتوازي مع سعي المملكة إلى تعزيز قدراتها الصاروخية وبناء صناعة دفاعية محلية لا تكتفي باستيراد المعدات الجاهزة.
لكن السؤال الذي سيخطف الأنظار بلا شك هو: هل يمتلك المغرب بالفعل صاروخ «لورا»؟
المعطيات المتاحة لا تمنح جوابا رسميا حاسما حتى الآن. فلا يوجد إعلان معلن يؤكد تسلم القوات المسلحة الملكية لهذه المنظومة تحديدا، رغم أن تصريحات إسرائيلية سابقة فتحت الباب أمام تكهنات واسعة بشأن حصول المملكة على قدرات باليستية إسرائيلية.
ففي سنة 2023، تحدث القائم بالأعمال في مكتب الاتصال الإسرائيلي بالمغرب عن حصول المملكة على قدرات باليستية إسرائيلية، من دون الكشف عن اسم المنظومة أو تفاصيلها. ولذلك يبقى الربط المباشر بين تلك التصريحات وصاروخ «لورا» مجرد احتمال لا يمكن تقديمه كحقيقة مؤكدة. غير أن إدراج الصاروخ نفسه ضمن المنتجات المعروضة في مراكش يعيد الملف إلى الواجهة ويفتح بابا جديدا للتساؤلات حول طبيعة التعاون الدفاعي القائم بين البلدين.
والأكثر إثارة أن التحول المغربي لا يقتصر على البحث عن أسلحة بعيدة المدى، بل يتجه بصورة متزايدة نحو امتلاك المعرفة الصناعية التي تقف خلف هذه المنظومات. فالمملكة تعمل على تطوير قاعدة للصناعات الدفاعية، تشمل الذخائر الموجهة وتجهيزات عسكرية متطورة وأبراجا قتالية غير مأهولة، مع طموح واضح للانتقال تدريجيا من موقع المستورد إلى موقع المنتج والمشارك في سلاسل التصنيع الدفاعي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن نقل التكنولوجيا قد يكون أكثر تأثيرا من صفقة شراء واحدة. إنشاء خطوط إنتاج داخل المغرب وتكوين الكفاءات وتوطين الخبرات يفتح الباب أمام بناء قدرة صناعية مستدامة، قادرة على تلبية جزء من حاجيات القوات المسلحة الملكية وربما الوصول مستقبلا إلى الأسواق الخارجية.
وقد بدأت ملامح هذا التوجه تظهر من خلال تجهيزات عسكرية جرى تركيبها على عدد من المدرعات المغربية، بما فيها مركبات M113 التي خضعت لعمليات تطوير، إلى جانب ظهور أنظمة قتالية خلال مناورات «الأسد الإفريقي»، في مؤشر على أن الصناعة الدفاعية المغربية تتحرك تدريجيا نحو مجالات كانت في السابق حكرا على كبار المصنعين الدوليين.
أما «لورا» نفسه، فهو ليس صاروخا عاديا في سوق السلاح. فالمنظومة التي طورتها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية «IAI» تجمع بين القدرة على الوصول لمسافات بعيدة والدقة العالية، وتشير البيانات المنشورة من الشركة إلى مدى يتراوح بين 90 و430 كيلومترا، مع دقة إصابة تقارب 10 أمتار، فيما يبلغ وزن الصاروخ عند الإطلاق نحو 1.6 طن، وطوله حوالي 5.2 أمتار.
ويعتمد الصاروخ على محرك أحادي المرحلة يعمل بالوقود الصلب، ونظام توجيه يجمع بين الملاحة بالقصور الذاتي والملاحة عبر الأقمار الصناعية، بما يسمح باستهداف مواقع ثابتة ومعروفة الإحداثيات بدقة كبيرة. كما يمكن تزويده بأنواع مختلفة من الرؤوس الحربية بحسب طبيعة المهمة.
وتمنح خصائصه العملياتية المنظومة قيمة إضافية في حسابات الردع، إذ تشير الشركة المصنعة إلى قدرة الصاروخ على الوصول إلى الهدف في أقل من عشر دقائق من لحظة اتخاذ قرار الإطلاق، فضلا عن إمكانية تشغيله من مواقع غير مجهزة مسبقا، وهي عوامل ترفع من مرونته في ظروف العمليات العسكرية.
ولا يتوقف الأمر عند المنصات البرية، إذ توجد نسخ بحرية للمنظومة، كما طورت الشركة نسخة «Air LORA» المخصصة للإطلاق من الطائرات، وهو ما يوسع نطاق الخيارات العملياتية المتاحة أمام المستخدمين المحتملين.
ومع ذلك، فإن ظهور «لورا» في معرض مراكش لا يساوي، بأي حال من الأحوال، إعلانا عن امتلاك المغرب للصاروخ. فالمعارض العسكرية بطبيعتها منصات تسويقية وتقنية تعرض فيها الشركات منتجاتها أمام وفود عسكرية وحكومية ومشترين محتملين. لذلك فإن أي حديث عن صفقة مغربية أو نشر فعلي للمنظومة داخل المملكة يحتاج إلى تأكيد رسمي أو معطيات موثوقة تتجاوز مجرد وجود الصاروخ ضمن المعروضات.
لكن الأبعاد الجيوسياسية للموضوع ستجعل المشاركة الإسرائيلية محط اهتمام واسع، خصوصا في إسبانيا، التي تراقب عن قرب التطور المتسارع للقدرات العسكرية المغربية بحكم القرب الجغرافي وحساسية الملفات الأمنية في غرب المتوسط.
فالصواريخ الباليستية والتكتيكية بعيدة المدى تدخل مباشرة في حسابات الردع، ليس لأنها تعني بالضرورة وجود نية لاستخدامها ضد طرف بعينه، وإنما لأنها تمنح الدول التي تمتلكها خيارات أوسع في حماية أراضيها ومصالحها وتعزيز قدرتها على الردع في مواجهة التهديدات.
وبهذا المعنى، فإن أهمية «لورا» في مراكش قد تتجاوز الصاروخ نفسه. فالمشهد الأكبر يتمثل في مسار مغربي يتجه نحو تحديث القدرات العسكرية، وتوسيع الشراكات الدولية، وتسريع نقل التكنولوجيا، وبناء صناعة دفاعية محلية قادرة على إنتاج جزء من احتياجات المملكة.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة مع اقتراب موعد المعرض: هل سيكون «لورا» مجرد نجم إسرائيلي معروض أمام زوار مراكش، أم أن ظهوره سيكشف، ولو بصورة غير مباشرة، عن مرحلة جديدة في التعاون الصاروخي بين المغرب وإسرائيل؟ الجواب لن تقدمه منصات العرض وحدها، وإنما ما ستكشفه الصفقات والتطورات العسكرية المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك