مسيّرات بريطانية تشعل مواجهة جديدة مع روسيا

مسيّرات بريطانية تشعل مواجهة جديدة مع روسيا
شؤون أمنية وعسكرية / الخميس 20 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:أبو فراس

تتصاعد علامات الاستفهام حول الدور البريطاني في الحرب الأوكرانية بعد ظهور معطيات جديدة تفيد باستخدام كييف طائرات مسيّرة بريطانية الصنع في هجمات استهدفت منشآت داخل الأراضي الروسية، في تطور قد يفتح فصلاً جديداً من التوتر بين موسكو ولندن ويعيد رسم حدود الانخراط الغربي في واحدة من أخطر الحروب الجارية في العالم.

وكشفت مصادر عسكرية أوكرانية، نقلت عنها صحيفة «تايمز» البريطانية، أن القوات الأوكرانية اعتمدت خلال الأشهر الستة الأخيرة على مسيّرات طُورت داخل بريطانيا لتنفيذ ضربات ضد مواقع استراتيجية روسية، من بينها منشآت نفطية في فولغوغراد وياروسلافل، وهو ما يمنح هذه العمليات بعداً سياسياً وعسكرياً يتجاوز مجرد استخدام سلاح جديد في ساحة المعركة.

ويبرز ضمن هذه المنظومات طراز «Nyan»، وهي مسيّرة نفاثة طورتها شركة Callen-Lenz التابعة لمجموعة BAE Systems البريطانية. وتتميز هذه الطائرة بقدرتها على التحليق لمسافات تتجاوز 250 كيلومتراً، مع إمكانية حمل رأس حربي يزن أقل من 20 كيلوغراماً، ما يجعلها أداة فعالة لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة المباشرة.

وتكمن حساسية هذه المعلومات في أن القضية لا ترتبط فقط بطبيعة الأهداف المستهدفة، بل أيضاً بمصدر التكنولوجيا المستخدمة. فانتقال أسلحة بريطانية الصنع إلى عمليات تضرب العمق الروسي يمنح موسكو مادة إضافية لتوجيه انتقادات حادة للغرب، وقد يدفعها إلى اتهام لندن بلعب دور غير مباشر في الهجمات التي تستهدف أراضيها.

ويعتقد مراقبون أن تكرار ظهور منظومات غربية متطورة في هجمات بعيدة المدى داخل روسيا سيزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري، خصوصاً أن الحرب دخلت مرحلة لم تعد تقتصر على خطوط الجبهة التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى البنية التحتية الحيوية والمنشآت الاستراتيجية الواقعة في عمق أراضي الطرفين.

وفي الواقع، لا يأتي هذا التطور معزولاً عن حجم الدعم الذي قدمته بريطانيا لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب. فقد تحولت لندن إلى واحدة من أكثر العواصم الغربية دعماً لكييف، عبر برنامج واسع شمل تزويد الجيش الأوكراني بمعدات ثقيلة ومنظومات متطورة غيّرت موازين عديدة على الأرض.

وكانت بريطانيا أول دولة غربية توافق على إرسال دبابات قتال رئيسية حديثة إلى أوكرانيا عندما أعلنت تسليم دبابات «تشالنجر 2»، إلى جانب مركبات الدعم والإصلاح، كما زودت كييف بمدافع ذاتية الحركة ومئات العربات المدرعة، مع توفير خدمات الصيانة والدعم الفني لضمان استمرار جاهزية هذه المعدات.

وامتد الدعم البريطاني إلى مجال الضربات بعيدة المدى من خلال تزويد أوكرانيا بصواريخ «ستورم شادو»، التي منحت القوات الأوكرانية قدرة غير مسبوقة على استهداف مواقع بعيدة خلف خطوط القتال. كما شمل البرنامج تزويد كييف بصواريخ دفاع جوي متطورة ومنظومات رادارية لتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات الروسية.

لكن المسيّرات أصبحت خلال العامين الأخيرين عنواناً رئيسياً للدعم البريطاني. فقد أعلنت لندن برامج ضخمة لتزويد أوكرانيا بعشرات الآلاف من الطائرات غير المأهولة، قبل أن يرتفع الرقم إلى 150 ألف مسيّرة تشمل نماذج هجومية واستطلاعية ولوجستية وبحرية، في إطار استراتيجية تراهن بشكل متزايد على الحرب التكنولوجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

كما لم يقتصر الدور البريطاني على إرسال المعدات، بل شمل تدريب آلاف الجنود الأوكرانيين، وتأهيل فرق الصيانة، والتعاقد مع شركات دفاعية للمساعدة في إصلاح المعدات المتضررة وإعادتها بسرعة إلى الخدمة، ما جعل العلاقة بين لندن وكييف تتجاوز مفهوم الدعم التقليدي نحو شراكة عسكرية متكاملة.

ومع دخول الحرب عامها الخامس، تبدو بريطانيا أكثر التزاماً من أي وقت مضى بمواصلة دعم أوكرانيا، بعدما أعلنت تخصيص ثلاثة مليارات جنيه إسترليني سنوياً للمساعدات العسكرية طالما استمرت الحاجة إليها. كما وصل إجمالي ما قدمته لندن لكييف منذ اندلاع الحرب إلى نحو 25 مليار جنيه إسترليني، بينها 16 ملياراً في شكل دعم عسكري مباشر.

وفي ظل هذه المعطيات، يزداد الجدل حول ما إذا كانت بريطانيا ما تزال في موقع الداعم العسكري التقليدي، أم أنها باتت طرفاً أكثر تأثيراً في مسار العمليات التي تستهدف العمق الروسي. وبينما تؤكد لندن أن مساعداتها تهدف إلى تمكين أوكرانيا من الدفاع عن نفسها، ترى موسكو أن اتساع نطاق استخدام الأسلحة الغربية في الهجمات البعيدة قد يشكل تصعيداً جديداً يهدد بمزيد من التوتر في واحدة من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً وخطورة.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك