أنتلجنسيا:أبو فراس
نجحت القوات المسلحة الملكية ونظيرتها الأمريكية في تنفيذ أول اختبار حي لصاروخ كروز بعيد المدى ومنخفض التكلفة انطلاقاً من الصحراء المغربية، في خطوة تكرس المملكة كمنصة استراتيجية لتطوير واختبار تقنيات التسليح المتقدمة في شمال إفريقيا.
الاختبار الذي جرى بمركز إفريقيا للتدريب والتجارب متعدد المجالات قرب مدينة طانطان لم يكن مجرد تجربة تقنية عابرة، بل حمل رسائل استراتيجية قوية بشأن مستوى الثقة الذي باتت تحظى به الرباط لدى واشنطن، خصوصاً في ظل سعي الجيش الأمريكي إلى تسريع تطوير أسلحته الجديدة وإخراجها من المختبرات إلى الميدان في زمن قياسي.
ويشكل هذا المركز العسكري المتخصص أحد أبرز المشاريع الدفاعية المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة، حيث تم تصميمه ليكون فضاءً دائماً لاختبار الأنظمة العسكرية الحديثة في ظروف عملياتية حقيقية، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية التي طالما أخرت انتقال الابتكارات العسكرية الأمريكية من مرحلة التصميم إلى مرحلة الاستخدام الفعلي.
وخلال التجربة الأخيرة، أقامت الفرق العسكرية الأمريكية والمغربية موقع الاختبار من الصفر، قبل تنفيذ عملية إطلاق حي لصاروخ كروز جديد جرى تطويره من طرف شركة دفاعية لم يكشف عن هويتها. كما شملت العملية اختبار أنظمة الاتصال والملاحة والاستهداف، ومراقبة أداء مكونات الصاروخ وعربة الإطلاق في بيئة صحراوية قاسية توفر معطيات ميدانية دقيقة يصعب الحصول عليها داخل الميادين التقليدية بالولايات المتحدة.
وتعكس هذه التجربة توجهاً أمريكياً جديداً نحو إنتاج أسلحة دقيقة وفعالة بأقل تكلفة ممكنة، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار صواريخ الكروز التقليدية التي تصل تكلفة بعضها إلى ملايين الدولارات للوحدة الواحدة، وهو ما يدفع المؤسسات العسكرية الغربية إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة وقابلة للإنتاج على نطاق واسع.
ويكتسب مركز "AMTEC" أهمية متزايدة داخل المنظومة العسكرية الأمريكية، بعدما تم اختياره ضمن شبكة محدودة من مواقع الاختبار الاستراتيجية إلى جانب منشآت عسكرية كبرى داخل الولايات المتحدة، ما يؤكد المكانة الخاصة التي أصبح يحتلها المغرب في هندسة التعاون الدفاعي الأمريكي خارج الأراضي الأمريكية.
وتطمح الرباط من خلال هذا المشروع إلى تجاوز دور الشريك التقليدي في المناورات العسكرية، والتحول إلى فاعل إقليمي في مجال الابتكار الدفاعي وتطوير التقنيات العسكرية الحديثة. وفي هذا السياق، أكد مسؤولون عسكريون مغاربة أن الهدف المستقبلي يتمثل في جعل المركز منصة إقليمية للبحث والتطوير والتعاون الصناعي العسكري، بما يعزز موقع المملكة كقطب استراتيجي في القارة الإفريقية.
كما يمنح الموقع الصحراوي للمغرب القوات الأمريكية فرصة نادرة لاختبار معداتها في ظروف مناخية وعملياتية تحاكي مسارح العمليات الحقيقية في إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد الذي توليه واشنطن لهذا المشروع.
ويرى مراقبون أن ما جرى في طانطان يتجاوز مجرد إطلاق صاروخ واحد، لأنه يؤشر إلى ولادة مرحلة جديدة من الشراكة العسكرية المغربية الأمريكية، قائمة على الابتكار والتطوير المشترك واختبار تكنولوجيات الجيل القادم من الأسلحة، في وقت تتجه فيه القوى الكبرى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة تحديات أمنية متزايدة التعقيد.
ومع إعلان القيادة الأمريكية في إفريقيا أن الاختبارات المقبلة ستشمل أنظمة ذاتية التشغيل وتقنيات استشعار متطورة وقدرات هجومية بعيدة المدى، يبدو أن الصحراء المغربية تتجه لتصبح أحد أهم مختبرات التكنولوجيا العسكرية الحديثة خارج الولايات المتحدة، في تحول استراتيجي يضع المغرب في قلب مشاريع الدفاع المستقبلية ويعزز حضوره كحليف رئيسي لواشنطن في المنطقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك