أنتلجنسيا:أبو فراس
لم يعد صعود القدرات العسكرية المغربية يثير الاهتمام داخل دوائر الخبراء فقط، بل أصبح موضوعاً مطروحاً داخل المؤسسات السياسية والأمنية في أوروبا، بعدما تحول التحديث المتسارع الذي تشهده القوات المسلحة الملكية إلى عنصر جديد يعيد رسم توازنات القوة في غرب البحر الأبيض المتوسط ومنطقة المغرب العربي.
وفي مؤشر لافت على حجم هذا التحول، كشفت تقارير إعلامية دولية أن البرلمان الإسباني شهد خلال الأشهر الماضية نقاشاً غير مألوف حول قدرة مدريد على مواجهة تهديدات محتملة مرتبطة بالطائرات المسيّرة الحديثة التي ينتجها المغرب محلياً في إطار شراكة صناعية وعسكرية مع شركات إسرائيلية متخصصة في التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة.
وتعكس هذه النقاشات، بحسب متابعين، انتقال المغرب من موقع المستورد التقليدي للسلاح إلى لاعب يسعى إلى امتلاك التكنولوجيا العسكرية وإنتاج جزء من منظوماته الدفاعية داخل أراضيه، وهو تحول استراتيجي تعتبره العديد من الأوساط الغربية من أبرز التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الرباط اختارت خلال السنوات الماضية نهجاً يقوم على التحديث النوعي للقوات المسلحة عبر الاستثمار المكثف في التكنولوجيا العسكرية المتطورة والأنظمة الذكية والحرب الإلكترونية والقدرات الجوية الدقيقة، بالتوازي مع بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية قادرة على استيعاب ونقل التكنولوجيا الحديثة.
وفي هذا السياق، برز مشروع إنتاج المسيّرات والذخائر الجوالة المتطورة داخل المغرب باعتباره أحد أبرز المشاريع العسكرية الجديدة، حيث أصبحت المملكة تحتضن منشآت صناعية متخصصة في إنتاج أنظمة متقدمة للطائرات بدون طيار، في خطوة تهدف إلى تقليص التبعية للخارج وتعزيز السيادة الصناعية في قطاع الدفاع.
وتتمتع هذه الأنظمة بخصائص تقنية تجعلها من بين الأسلحة الحديثة التي تحظى باهتمام متزايد داخل الجيوش المعاصرة، إذ تجمع بين القدرة على الاستطلاع والرصد والدقة العالية في إصابة الأهداف، فضلاً عن المرونة التشغيلية التي توفرها في مختلف البيئات القتالية.
وفي مقابل هذا المسار المغربي القائم على التكنولوجيا والتطوير الصناعي، تشير تقارير دولية إلى أن الجزائر واصلت رفع ميزانيتها العسكرية إلى مستويات قياسية، في إطار سباق تسلح إقليمي يتابع باهتمام متزايد من قبل العواصم الغربية ومراكز الدراسات الاستراتيجية.
وترى بعض التحليلات أن الفارق بين المقاربتين أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فبينما تركز الرباط على إدماج الأنظمة الذكية والضربات الدقيقة وتوطين الصناعة العسكرية، تواصل الجزائر الاعتماد بشكل أساسي على الإنفاق المرتفع واقتناء المعدات الثقيلة التقليدية، مع السعي في الوقت نفسه إلى تطوير قدراتها لمواكبة التحولات التي تعرفها البيئة العسكرية الإقليمية.
كما يبرز المغرب اليوم كأحد أكثر الشركاء العسكريين قرباً من الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وهو ما انعكس على نوعية المنظومات التي دخلت الخدمة خلال السنوات الأخيرة، سواء في مجال الدفاع الجوي أو الطيران الحربي أو المدفعية الدقيقة أو الأنظمة الصاروخية المتطورة.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن القوات المسلحة الملكية أصبحت تعتمد على منظومة متعددة الطبقات تجمع بين التكنولوجيا الأمريكية والإسرائيلية والصينية، وهو ما يمنحها مرونة تشغيلية وقدرات متقدمة في مجالات الرصد والدفاع والردع.
ويعتبر خبراء أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن فقط في اقتناء معدات جديدة، بل في بناء منظومة متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والتصنيع المحلي والشراكات الاستراتيجية طويلة المدى، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد الذي بات يحظى به النموذج المغربي داخل الأوساط السياسية والعسكرية الدولية.
ولم تعد تداعيات هذا التحول محصورة داخل حدود المغرب العربي، إذ امتدت إلى النقاشات الأمنية داخل أوروبا نفسها، حيث بدأت بعض المؤسسات الغربية تتابع عن كثب تطور القدرات العسكرية المغربية وتأثيرها المحتمل على معادلات الأمن الإقليمي في غرب المتوسط.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الرباط تنفيذ مشاريعها العسكرية والصناعية بوتيرة متسارعة، يبدو أن المملكة نجحت في فرض نفسها كقوة إقليمية صاعدة تراهن على التفوق التكنولوجي والابتكار العسكري بدل الاكتفاء بمنطق التسلح التقليدي. وبينما تتجه أنظار المنطقة نحو مستقبل التوازنات الجديدة، فإن المؤكد أن المغرب بات أحد أبرز الفاعلين الذين يعيدون تشكيل الخريطة العسكرية لشمال إفريقيا، في مشهد لم يعد يمر دون أن يثير النقاش داخل البرلمانات الأوروبية أو دوائر القرار الاستراتيجي في العالم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك