أنتلجنسيا:أبو فراس
تسارع المملكة المغربية الخطى نحو بناء جيش المستقبل، بعدما فتحت الباب أمام جيل جديد من التقنيات القتالية الذكية التي تعيد رسم ملامح الحروب الحديثة، في خطوة تعكس رهان الرباط المتزايد على التكنولوجيا المتطورة والأنظمة غير المأهولة لتعزيز تفوقها العسكري ورفع جاهزيتها في مواجهة التحديات الأمنية المتنامية.
وفي قلب هذا التحول تبرز منظومة "باركان 3"، وهي مركبة قتالية روبوتية مجنزرة غير مأهولة تمثل أحد أحدث الابتكارات في مجال القتال البري الذكي. وتتميز هذه المنصة بقدرتها على التحرك في أصعب التضاريس وتنفيذ مهام متعددة تشمل الاستطلاع والمراقبة والدعم الناري والاشتباك مع الأهداف، دون الحاجة إلى وجود عنصر بشري داخلها، ما يقلص المخاطر البشرية ويرفع فعالية العمليات الميدانية.
وتعتمد المركبة على تقنيات متقدمة في الذكاء الاصطناعي وأنظمة الرصد والتوجيه، ما يمنحها قدرة كبيرة على العمل في البيئات المعقدة وحتى في الظروف التي تشهد تشويشاً إلكترونياً أو اضطراباً في إشارات الملاحة. كما تستطيع الاندماج ضمن شبكات قتالية متكاملة والتنسيق مع الطائرات المسيّرة لتشكيل منظومة هجومية ودفاعية متطورة تقوم على تبادل المعلومات بشكل لحظي ودقيق.
ويعكس الاهتمام المغربي بهذه التكنولوجيا توجهاً استراتيجياً يتجاوز مجرد اقتناء معدات عسكرية جديدة، ليصل إلى إعادة صياغة العقيدة الدفاعية نفسها، عبر الانتقال التدريجي نحو مفهوم الحرب الرقمية التي تعتمد على الروبوتات والأنظمة الذكية في تنفيذ المهام الخطرة والمعقدة، خصوصاً في الحروب غير التقليدية ومجالات مكافحة التهديدات غير النظامية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق توسع الشراكة الدفاعية بين المغرب وتركيا، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً انتقل من تبادل الخبرات والتكوين إلى اقتناء منظومات متقدمة ومشاريع مرتبطة بالصناعة العسكرية. كما تبرز مؤشرات متزايدة على رغبة الرباط في توطين جزء من الصناعات الدفاعية محلياً عبر تطوير قدرات الإنتاج والصيانة ونقل التكنولوجيا، بما يرسخ استقلالية القرار العسكري ويعزز القدرات الوطنية على المدى البعيد.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تنويع مصادر تسلحه بين الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وإسرائيل وتركيا والهند، تبرز استراتيجية واضحة تقوم على عدم الارتهان لأي مورد واحد، مع التركيز على اقتناء الأنظمة الأكثر تطوراً في مجالات الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والرادارات وأنظمة القيادة والتحكم.
وتكشف المؤشرات المالية أن هذا التوجه لم يعد مجرد خيار سياسي، بل تحول إلى سياسة دولة متكاملة، بعدما سجل المغرب خلال سنة 2025 واحداً من أعلى مستويات الإنفاق العسكري في تاريخه الحديث، ما مكنه من احتلال المرتبة الثانية إفريقياً من حيث النفقات الدفاعية وفق تقارير دولية متخصصة. كما واصل رفع ميزانياته العسكرية بهدف تحديث الترسانة وتعزيز الجاهزية العملياتية في محيط إقليمي يتسم بتزايد التوترات والتحولات الأمنية المتسارعة.
وفي المقابل، تواصل الجزائر بدورها ضخ استثمارات ضخمة في قطاع الدفاع وتحديث قواتها المسلحة عبر صفقات تسليح متنوعة مع عدد من الشركاء الدوليين، ما يجعل منطقة شمال إفريقيا واحدة من أكثر المناطق نشاطاً في مجال التسلح وإعادة بناء القدرات العسكرية.
وبين سباق التحديث العسكري وتنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الروبوتية، تبدو المملكة عازمة على تثبيت موقعها ضمن القوى العسكرية الصاعدة إقليمياً، عبر استراتيجية تقوم على التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع المحلي والشراكات المتعددة، في مسار قد يعيد رسم موازين القوة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك