هل يُعيد المغرب رسم ميزان القوة ويقتني "FA-50"؟

هل يُعيد المغرب رسم ميزان القوة ويقتني "FA-50"؟
شؤون أمنية وعسكرية / الخميس 12 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الله الأيوبي

في قلب معرض الدفاع العالمي 2026 بالسعودية، لم تكن جولة الوفد العسكري المغربي مجرد زيارة بروتوكولية بين أروقة الشركات الدولية، بل بدت أقرب إلى إعلان غير مباشر عن مرحلة تسلح جديدة تتشكل بهدوء ولكن بثقة عالية. الوفد تنقل بين أجنحة كبرى الصناعات الدفاعية من الولايات المتحدة وتركيا إلى كوريا الجنوبية، غير أن محطة شركة الصناعات الجوية الكورية KAI خطفت الأنظار، بعدما حظي باستقبال رسمي وتكريم خاص تُوّج بتسليم ماكيت للمقاتلة الخفيفة FA-50 مطلي بالعلم المغربي وبالتمويه الصحراوي المعتمد لدى القوات الجوية الملكية.

الرسالة لم تكن رمزية فقط، بل حملت دلالات واضحة حول الاتجاه الذي قد تسلكه الرباط لتعويض مقاتلات F-5 المتقادمة وطائرات “ألفا جيت”. الطائرة الكورية FA-50 تبرز كخيار عملي يجمع بين مهام التدريب المتقدم والقدرات القتالية الفعلية، مع تجهيزات تشمل راداراً متطوراً من فئة AESA، وأنظمة تسليح متوافقة مع الترسانة الأمريكية المعتمدة حالياً لدى المغرب، بما في ذلك صواريخ AMRAAM وSidewinder وقنابل JDAM وPaveway. اعتمادها على محرك أمريكي من جنرال إلكتريك وأنظمة اتصال Link-16 يعزز انسجامها مع أسطول F-16، ويقلص تكاليف الصيانة والدعم اللوجستي.

اقتناء 24 طائرة من هذا الطراز، في حال تأكد، سيمنح سلاح الجو قدرة مضاعفة على تنفيذ المهام بكفاءة أعلى وحمولة تسليحية أكبر، مع تقليص النفقات التشغيلية مقارنة بالأسطول القديم. كما أن التمويه الصحراوي الذي ظهر على الماكيت يعكس استعداداً ذهنياً وعملياتياً لدمجها ضمن العقيدة القتالية المعتمدة حالياً.

لكن التحرك المغربي لا يبدو محصوراً في الطيران الخفيف. معطيات متقاطعة تشير إلى اهتمام متقدم بمنظومات كورية أخرى، من بينها دبابة القتال الرئيسية K2 Black Panther، التي توصف بأنها من الأكثر تطوراً عالمياً، إضافة إلى غواصات KSS-III، ونظام الدفاع الجوي M-SAM-II القادر على اعتراض الصواريخ الباليستية. هذه الخيارات، إن تحققت، ستنقل الجيش المغربي إلى مستوى مختلف من الردع البري والبحري والجوي، رغم تحديات محتملة مرتبطة بمواعيد التسليم بسبب الطلب الدولي المرتفع.

الأبعد من ذلك، يلوح أفق استراتيجي أكثر جرأة يتعلق بالمشاركة المحتملة في مشروع المقاتلة الكورية KF-21 Boramae، بعد تقليص مساهمة إندونيسيا في البرنامج. هذه الطائرة، المصنفة ضمن الجيل 4.5 مع خصائص شبحية متقدمة، مزودة برادار AESA وأنظمة تتبع حرارية واستهداف كهروضوئي، وقادرة على بلوغ سرعة 1.82 ماخ وحمل تسليح يصل إلى 7.7 أطنان. انضمام المغرب إلى هذا المشروع لن يكون مجرد صفقة شراء، بل خطوة نحو نقل تكنولوجيا متقدمة والمساهمة في تطوير مقاتلة تنافس الرافال واليوروفيتر وحتى بعض منصات الجيل الخامس.

هذا الطموح العسكري يتقاطع مع تحول صناعي داخلي متسارع. قطاع الطيران المدني بالمغرب يضم أكثر من 140 شركة ويوفر عشرات الآلاف من فرص العمل، بصادرات تتجاوز ملياري دولار سنوياً. الحكومة وضعت إطاراً قانونياً جديداً لتصميم وإنتاج وصيانة الطائرات، مع خطط لإطلاق مصانع للطائرات بدون طيار وجذب عمالقة مثل إيرباص وبوينغ للتصنيع المحلي. ميزانية الدفاع التي تناهز 16 مليار دولار، مع جزء معتبر مخصص للتحديث والصيانة، تمنح الرباط هامشاً مالياً لإعادة توجيه جزء من الإنفاق نحو شراكات صناعية استراتيجية.

التحركات المغربية تطرح بطبيعة الحال أسئلة إقليمية حساسة، خاصة في محيط متوسطي وإفريقي يشهد سباق تسلح غير معلن. غير أن الرباط تبدو مصممة على بناء نموذج دفاعي يجمع بين التحديث السريع ونقل التكنولوجيا، وبين الحفاظ على شراكاتها التقليدية مع الولايات المتحدة والانفتاح على قوى صناعية صاعدة مثل كوريا الجنوبية.

ما يجري اليوم ليس مجرد استعراض في معرض دولي، بل إعادة تموضع محسوبة في خريطة القوة الإقليمية. المغرب لا يبحث فقط عن شراء أسلحة أحدث، بل عن تثبيت موقعه كلاعب عسكري وصناعي قادر على إنتاج جزء من قوته بيديه، في زمن لم تعد فيه السيادة تُقاس بالحدود وحدها، بل بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا وصنع القرار الاستراتيجي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك