من العجز إلى الترسانة المرعبة..كيف صنعت إيران إمبراطورية الصواريخ من رماد الهزيمة؟

من العجز إلى الترسانة المرعبة..كيف صنعت إيران إمبراطورية الصواريخ من رماد الهزيمة؟
شؤون أمنية وعسكرية / الأربعاء 08 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

لم تولد القوة الصاروخية الإيرانية من فائض القوة، بل خرجت من رحم الانكسار، حين وجدت طهران نفسها خلال حربها الطويلة مع العراق عاجزة عن حماية عمقها الاستراتيجي، في لحظة كشفت هشاشة الردع ووضعت النظام أمام سؤال وجودي: إما امتلاك أدوات القوة أو السقوط تحت الضربات. تلك التجربة القاسية ظلت حاضرة في خطاب القيادة الإيرانية، حيث استعاد المرشد علي خامنئي في تصريحات سابقة صورة بلد بلا مخزون صاروخي كافٍ، ليؤسس بذلك لعقيدة جديدة عنوانها أن البقاء يمر عبر الصواريخ.

غير أن المفارقة التي تثير الجدل تكمن في أن البذرة الأولى لهذا المشروع لم تكن إيرانية خالصة، بل وُضعت خلال فترة حكم الشاه، الحليف الوثيق لـ الولايات المتحدة وإسرائيل، حين انخرطت طهران في سباق تسلح مدعوم غربياً، تضمن صفقات متقدمة وأنظمة صاروخية حديثة. ولم يتوقف الأمر عند الاستيراد، بل تطور إلى تعاون سري مع تل أبيب في مشروع عسكري عُرف بـ“الزهرة”، هدفه تطوير نسخة محلية من صواريخ بعيدة المدى، في صفقة تبادل غير تقليدية قوامها النفط مقابل التكنولوجيا.

لكن رياح الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 قلبت المعادلة بالكامل، لتنهار تلك الشراكات فجأة، وتنسحب الأطراف الأجنبية حاملة معها المعرفة التقنية، تاركة المشروع في حالة جمود. ومع اندلاع الحرب مع العراق، وجدت القيادة الجديدة نفسها أمام تهديد مباشر، خاصة بعد الضربات التي نفذتها صواريخ “سكود” على المدن الإيرانية، ما دفعها إلى البحث بشكل عاجل عن بدائل لتعويض هذا النقص.

في هذا السياق، لجأت طهران إلى حلفاء خارج الدائرة الغربية، وعلى رأسهم معمر القذافي، الذي وفر دعماً أولياً عبر تزويدها بصواريخ وخبرات تقنية، قبل أن تنقطع هذه المساعدات لاحقاً، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، عنوانها الاعتماد على الذات. هنا برز اسم حسن طهراني مقدم، الذي قاد عملية إعادة إحياء البرنامج عبر الهندسة العكسية وتفكيك الصواريخ المستوردة لإعادة تصنيعها محلياً.

ومع نهاية الحرب، لم تتوقف إيران عند حدود الترميم، بل اتخذت قراراً استراتيجياً بالتحول من مستورد للسلاح إلى منتج له، مستفيدة من دعم تقني من كوريا الشمالية والصين، إضافة إلى تعاون غير مباشر مع روسيا. هذا التراكم أدى إلى ظهور جيل جديد من الصواريخ، بدءاً من عائلة “شهاب” التي نقلت طهران إلى مرحلة القدرة على الضرب بعيد المدى، وصولاً إلى تطوير أنظمة أكثر دقة وسرعة باستخدام الوقود الصلب.

ومع دخول الألفية الثالثة، تحولت إيران من متلقٍ للتكنولوجيا إلى مساهم في تطويرها، حيث استثمرت بشكل مباشر في برامج صاروخية خارجية، ما مكنها من إنتاج صواريخ بمديات تتجاوز ألف كيلومتر، وهو ما منحها لأول مرة القدرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية، بما في ذلك العمق الإسرائيلي.

ورغم الضربات التي تلقاها البرنامج، بما في ذلك مقتل عدد من مهندسيه في انفجار غامض عام 2011، فإن مساره لم يتوقف، بل تسارع بشكل لافت، مع إدخال أجيال جديدة من الصواريخ ذات قدرات مناورة عالية ودقة متقدمة، إضافة إلى تطوير ما يُعرف بـ“مدن الصواريخ”، وهي منشآت تحت الأرض تهدف إلى تأمين الترسانة من أي هجوم مفاجئ.

هذا التطور لم يبقَ حبيس المختبرات، بل تُرجم عملياً في عدة عمليات عسكرية، من استهداف مواقع تنظيم داعش في سوريا، إلى ضرب قواعد عسكرية في العراق، وصولاً إلى المواجهات المباشرة مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، حيث أظهرت طهران قدرتها على إطلاق مئات الصواريخ ضمن عمليات منسقة تحمل رسائل سياسية وعسكرية في آن واحد.

اليوم، لم تعد الصواريخ مجرد سلاح في العقيدة الإيرانية، بل تحولت إلى ركيزة مركزية في استراتيجيتها الإقليمية، وأداة ضغط فعالة في معادلات التفاوض والصراع. وبينما تسعى القوى الغربية إلى كبح هذا البرنامج، ترى طهران فيه ضمانة أساسية لأمنها القومي، ما يجعل أي مواجهة مستقبلية تدور، بالضرورة، في ظل هذا التوازن الهش الذي صنعته الصواريخ.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك