أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في خطوة عسكرية محمّلة برسائل سياسية واضحة، حصل المغرب على صواريخ أمريكية متطورة بقيمة تقارب 88 مليون دولار، في صفقة صادقت عليها وزارة الدفاع الأمريكية وتُترجم، وفق قراءات خبراء، مستوى الثقة الذي تمنحه واشنطن للرباط باعتبارها فاعلاً إقليمياً محورياً في شمال إفريقيا وغرب المتوسط وسط تحولات أمنية متسارعة.
الصفقة تشمل تزويد القوات الملكية الجوية بـ30 صاروخاً من طراز AIM-120C-8 AMRAAM، أحد أحدث نسخ عائلة “أمرام” بعيدة المدى المخصصة للاعتراض الجوي. هذا الطراز يُصنف ضمن منظومات القتال خارج مدى الرؤية، ويمنح الطيار قدرة الاشتباك مع الأهداف الجوية دون الحاجة إلى توجيه مستمر بعد الإطلاق، بفضل نظام توجيه يجمع بين القصور الذاتي في المرحلة الأولى والرادار النشط في المرحلة النهائية، مع إمكانية تحديث المسار أثناء الطيران عبر وصلة بيانات، ما يعزز مرونة القرار التكتيكي في أجواء القتال المعقدة.
تقنياً، يبلغ طول الصاروخ حوالي 3.7 أمتار بقطر يقارب 180 ملم، ويزن في حدود 150 إلى 162 كيلوغراماً عند الإطلاق، ما يجعله متوافقاً مع منصات مقاتلة متعددة من بينها F-16 Fighting Falcon وF-15 Eagle وF-35 Lightning II. ويعمل بمحرك صاروخي يعمل بالوقود الصلب يمكنه من بلوغ سرعات تفوق أربعة أضعاف سرعة الصوت، بينما يتيح باحثه الراداري النشط تعقب أهداف ذات مقطع راداري صغير حتى في بيئات مشوشة إلكترونياً. ويحمل رأساً حربياً متفجراً-متشظياً يزن قرابة 18 إلى 20 كيلوغراماً، مصمماً لتعطيل أو تدمير الطائرات والمروحيات والطائرات بدون طيار عبر مستشعر تقارب.
تقديرات متخصصة تشير إلى أن مدى النسخة C-8 قد يتجاوز 100 إلى 150 كيلومتراً في ظروف تشغيلية معينة، ما يمنحها أفضلية واضحة في الاشتباكات بعيدة المدى مقارنة بإصدارات أقدم من العائلة نفسها. هذه القفزة في المدى تعني عملياً توسيع مظلة الردع الجوي، وتمكين المغرب من فرض منطقة اشتباك أوسع تحسب لها الحسابات في أي سيناريو تصعيدي.
سياسياً واستراتيجياً، لا يمكن فصل الصفقة عن عمق الشراكة العسكرية بين الرباط وواشنطن، والتي تتجاوز حدود بيع السلاح إلى تعاون عملياتي وميداني وتدريبات مشتركة بارزة مثل تمرين African Lion، فضلاً عن برامج تحديث وتجهيز متعددة المستويات. الولايات المتحدة تظل الشريك العسكري الأول للمغرب، إذ تمثل الأسلحة الأمريكية النسبة الأكبر من ترسانته، وهو ما يعكس انسجاماً طويل الأمد في العقيدة والتخطيط والتكامل التقني.
الرسالة الأوضح في هذه الخطوة تتعلق بتثبيت توازنات القوة في فضاء جيوسياسي حساس يمتد من الساحل الإفريقي إلى غرب المتوسط. فتعزيز قدرات الاعتراض الجوي بعيدة المدى يمنح المغرب أدوات ردع استباقي، ويبعث بإشارات مباشرة إلى أي طرف يفكر في اختبار جاهزية أجوائه. في الوقت ذاته، تتقاطع الصفقة مع تحديات عابرة للحدود، من شبكات الجريمة المنظمة إلى التهريب والهجرة غير النظامية، حيث يتطلب تأمين المجال الجوي والبحري منظومات إنذار واعتراض متطورة.
غير أن السلاح وحده لا يصنع التفوق. المغرب يواكب هذه التحديثات باستثمار مكثف في العنصر البشري، عبر التدريب العملياتي والتكوين المتخصص، إلى جانب توجه متزايد نحو دعم قدرات التصنيع المحلي والاندماج التقني، بما يضمن تكاملاً فعلياً بين التكنولوجيا المتقدمة والكفاءة البشرية.
بهذه الصفقة، لا يضيف المغرب مجرد صاروخ جديد إلى مخزونه، بل يعيد تموضعه داخل معادلة الردع الإقليمي، مستنداً إلى شراكة استراتيجية مع واشنطن ورؤية تقوم على الاستعداد المسبق بدل انتظار المفاجآت. في زمن تُقاس فيه القوة بمدى القدرة على الحسم من مسافات آمنة، تبدو “أمرام” أكثر من صفقة تسليح؛ إنها إعلان تموضع في سماء تعاد صياغة قواعدها بسرعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك