أنتلجنسيا:سميرة زيدان
تتحرك المنطقة اليوم داخل مشهد عسكري شديد التعقيد، حيث لم يعد استعراض القوة مجرد رسائل ردع، بل بات لعبة أعصاب مفتوحة على كل الاحتمالات.
فبعد أن كانت البحار تعج بثلاث حاملات طائرات أميركية، تقلّص الحضور إلى حاملة واحدة مدعومة بغواصة هجومية وقطع بحرية متقدمة.
هذا التراجع العددي لا يعكس انكفاءً، بقدر ما يكشف انتقال واشنطن إلى مرحلة أكثر دقة: جاهزية نوعية، ومرونة عملياتية، وقدرة على الضرب من مسافات بعيدة دون الحاجة إلى حشد استعراضي مكلف.
الولايات المتحدة، وفق هذا الانتشار الجديد، تراهن على تفوقها التكنولوجي لا العددي، وترسانة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة، متعددة الأبعاد، تجمع بين القوة البحرية والجوية، والحرب الإلكترونية، والعمليات السيبرانية، ما يمنحها هامش مناورة واسعًا في أي سيناريو تصعيدي محتمل.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الطرف الآخر. إيران، التي لم تعد تلك الدولة ذات الدفاعات المكشوفة كما في السابق، خرجت من مواجهاتها الأخيرة أكثر يقظة واستعدادًا. فالتجربة القاسية لما يُعرف بـ“حرب الأيام الاثني عشر” دفعت طهران إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، خصوصًا في مجال حماية الأجواء والمجال الاستخباري.
معطيات متداولة تشير إلى دخول منظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9B إلى الخدمة، مع حديث غير مؤكد عن اقتراب حصول إيران على منظومة إس-400 الروسية. وإذا تأكد هذا التحول، فإن مسرح العمليات الجوية في المنطقة قد يشهد تغييرًا ملموسًا، ليس جذريًا، لكنه كافٍ لرفع كلفة أي مغامرة عسكرية مباشرة.
غير أن المفارقة الأخطر تكمن في أن واشنطن لا تحتاج أصلًا لاختراق الأجواء الإيرانية. صواريخ “توماهوك”، القادرة على التحليق لأكثر من 1600 كيلومتر، تمنحها قدرة على توجيه ضربات مؤلمة من خارج نطاق الدفاعات الجوية، مدعومة بطائرات شبحية وأنظمة تشويش واتصال متقدمة، تجعل الحرب – إن وقعت – غير تقليدية، وسريعة، وصامتة في مراحلها الأولى.
في المقابل، تدرك طهران حدود الدفاع الجوي التقليدي أمام هذا النوع من الهجمات، لكنها تراهن على شيء آخر: الرد الشامل. الرسالة الإيرانية واضحة وحاسمة: أي ضربة، مهما كانت “محدودة”، ستُقرأ كإعلان حرب مفتوحة، وستُواجَه بسلسلة ردود قد تمتد من الخليج إلى ما هو أبعد، مهددة المصالح الأميركية وحلفاءها في المنطقة.
الرهان الأميركي السابق على إحداث اختراق داخلي في إيران، مستفيدًا من موجات الاحتجاجات، أو فرض معادلة “الضربات الجراحية”، لم يُثمر كما كان متوقعًا. الدولة الإيرانية، رغم أزماتها، لم تنهَر، بل أعادت تموضعها ورفعت منسوب الردع، واضعة واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا.
اليوم، لا أحد يملك ترف الخطأ. التوازن هش، والرسائل العسكرية متبادلة، والمنطقة تقف على خط رفيع بين الردع والانفجار. أي سوء تقدير، أو قرار متسرع، قد يحوّل هذا الاستعراض المحسوب للقوة إلى حرب إقليمية شاملة، لن يكون أحد بمنأى عن نيرانها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك