"غرينلاند" من مزحة سياسية إلى قنبلة جيوسياسية تهدد تماسك الناتو

"غرينلاند" من مزحة سياسية إلى قنبلة جيوسياسية تهدد تماسك الناتو
شؤون أمنية وعسكرية / الإثنين 12 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

تحوّل الحديث الأمريكي عن جزيرة غرينلاند من مجرد تصريحات مثيرة للسخرية إلى ملف دولي ثقيل الوطأة، بعدما عاد اسم دونالد ترامب ليطفو مجددًا على السطح مقترنًا برغبة واشنطن في بسط نفوذها على أكبر جزيرة في العالم. ففي بداياته، قوبل الطرح بالاستهزاء واعتُبر امتدادًا لخطاب صادم اعتاد الرئيس الأمريكي إطلاقه، غير أن التطورات اللاحقة دفعت العواصم الأوروبية إلى التعامل مع الموضوع باعتباره سيناريو حقيقيًا لا يحتمل التخفيف أو التجاهل.

ومع تصاعد التوترات الدولية واحتدام الصراع على الموارد الاستراتيجية، بدأت دوائر سياسية وإعلامية غربية تتعامل مع غرينلاند باعتبارها ساحة الصراع القادمة. ولم يعد الأمر محصورًا في تحليلات صحفية، بل بلغ مستوى التحذير السياسي المباشر، حين طُلب من القادة الأوروبيين التعامل مع الموقف الأمريكي بجدية كاملة، باعتباره جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع لواشنطن.

الاهتمام المفاجئ بالجزيرة أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول قيمتها الحقيقية، ولماذا أصبحت فجأة مصدر قلق داخل حلف شمال الأطلسي، إلى درجة اعتبارها اختبارًا غير مسبوق لتماسك الحلف ووحدة قراره. فغرينلاند، رغم مظهرها كجزيرة متجمدة ومعزولة، تتمتع بحكم ذاتي خاص، وتخضع رسميًا للسيادة الدنماركية في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية، لكنها في العمق تختزن ثروات طبيعية هائلة تشمل الطاقة والمعادن النادرة واليورانيوم والذهب، إضافة إلى موقع جغرافي بالغ الحساسية في قلب القطب الشمالي.

وتعود جذور الحضور الأمريكي في الجزيرة إلى اتفاقية دفاع مشترك وُقعت سنة 1951 بين واشنطن وكوبنهاغن، تتيح للولايات المتحدة التدخل لحماية غرينلاند في حال تعرضها لأي تهديد خارجي. هذه الاتفاقية، التي بدت هامشية لعقود، تحولت اليوم إلى ورقة قانونية تمنح واشنطن هامش تحرك واسع، سواء عبر توسيع وجودها العسكري أو تعزيز قواعدها الاستراتيجية القائمة.

القراءة الغربية للمشهد تشير إلى أن الرؤية الأمريكية لا تقوم على منطق الضم الكلاسيكي، بل على فرض السيطرة الاستراتيجية طويلة الأمد. فذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح مسارات بحرية جديدة ويحوّل غرينلاند إلى نقطة ارتكاز فاصلة بين الولايات المتحدة وروسيا، كما يمنح واشنطن فرصة لكسر الهيمنة الصينية على سلاسل توريد المعادن النادرة، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا المتقدمة.

ويعزز هذا التوجه سجل تاريخي طويل من المحاولات الأمريكية للسيطرة على الجزيرة، إذ سبق لواشنطن أن تقدمت بعروض رسمية لشرائها في محطات متعددة منذ القرن التاسع عشر، وصولًا إلى المحاولة المثيرة للجدل سنة 2019. غير أن السياق الحالي، المشحون بالتنافس الجيوسياسي مع روسيا والصين، جعل من غرينلاند مسألة أمن قومي أمريكي، لا مجرد صفقة سياسية أو اقتصادية.

في المقابل، شددت الدنمارك على أنها ستدافع عن الجزيرة في حال تعرضت لأي محاولة فرض أمر واقع بالقوة، ما يضع حلف الناتو أمام معادلة معقدة وغير مسبوقة: كيف يمكن لحلف أُسس لحماية أوروبا أن يتعامل مع سيناريو تُقدم فيه الولايات المتحدة نفسها على السيطرة على إقليم أوروبي؟

هذا التناقض ينذر بتصدعات عميقة داخل الحلف، ويهدد بإعادة رسم العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. ورغم ذلك، لا تخفي بعض الأصوات الغربية تفهمها للطرح الأمريكي، معتبرة أن غرينلاند تمثل ركيزة استراتيجية حيوية في أي صراع عالمي قادم.

في المحصلة، لم تعد غرينلاند مادة للسخرية أو تصريحًا عابرًا، بل تحولت إلى عنوان لصراع دولي معقد، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والطاقة والمناخ والجغرافيا السياسية. وبين سيناريو الشراء، أو الضغط السياسي، أو توسيع النفوذ العسكري غير المباشر، يبدو أن الملف مرشح لمزيد من التصعيد، بينما يترقب العالم اللحظة التي قد تتحول فيها هذه المواجهة الصامتة إلى صدام مفتوح.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك