أنتلجنسيا:سميرة زيدان
في تطور عسكري لافت يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد نقل طائرات، تتجه الإمارات العربية المتحدة نحو تسليم ما يقارب نصف أسطولها من مقاتلات Dassault Mirage 2000-9 إلى المغرب، في صفقة يُتداول أنها تشمل نحو ثلاثين طائرة، وذلك تزامناً مع استعداد أبوظبي لتسلّم الدفعات الأولى من مقاتلات Dassault Rafale F4 من فرنسا ابتداءً من عام 2027.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن الصفقة، التي لم يتم تفعيلها رسمياً في أبريل الماضي، باتت أقرب إلى الضوء الأخضر النهائي، خصوصاً بعد الحراك الدبلوماسي المكثف الذي شمل زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى باريس، أعقبته لقاءات خاصة جمعت العاهل المغربي محمد السادس بمسؤولين في أبوظبي. هذا التزامن بين المسار الدبلوماسي والعسكري يعكس ترابط القرارين السياسي والدفاعي في صفقات من هذا الحجم.
من الناحية العملياتية، تمثل ميراج 2000-9 إحدى أكثر نسخ عائلة ميراج تطوراً، إذ خضعت لتحديثات إماراتية شملت أنظمة رادارية وتسليحية متقدمة، ما يمنحها قدرة عالية على تنفيذ مهام التفوق الجوي والضربات الدقيقة. انتقال هذا العدد إلى سلاح الجو المغربي سيعني عملياً قفزة نوعية في حجم الأسطول وقدرته على تغطية المجال الجوي بمرونة أكبر، خاصة إذا تم دمجها ضمن منظومة القيادة والسيطرة الحالية.
الصفقة، إن تم تثبيتها رسمياً، ستعكس مستوى عالياً من الثقة العسكرية بين الرباط وأبوظبي، كما ستكرّس منطق “إعادة تدوير القوة” داخل التحالفات الاستراتيجية، حيث تنتقل الطائرات من دولة تعزز أسطولها بأحدث جيل فرنسي إلى شريك إقليمي يسعى لتوسيع قدراته بسرعة وكلفة أقل مقارنة بشراء مقاتلات جديدة بالكامل.
في المقابل، تسلّم الإمارات لمقاتلات رافال F4 سيضعها في مصاف الدول المالكة لأحدث معايير القتال الجوي الفرنسي، ما يفتح المجال أمام إعادة توزيع أدوار الأساطيل القديمة. هذه المعادلة تخلق توازناً دقيقاً: أبوظبي ترتقي تقنياً إلى جيل أحدث، والرباط تعزز قدراتها العددية والنوعية في آن واحد، ضمن مشهد إقليمي يتسم بتسارع سباق التسلح الجوي.
سياسياً، تأتي هذه الخطوة في سياق تحولات أمنية متسارعة في شمال إفريقيا وغرب المتوسط، حيث بات التفوق الجوي عنصراً مركزياً في حسابات الردع. امتلاك ثلاثين مقاتلة إضافية من طراز متقدم نسبياً سيمنح المغرب هامشاً أوسع للمناورة الاستراتيجية، سواء في مهام الدفاع الجوي أو في دعم العمليات المشتركة.
غير أن التحدي لن يكون تقنياً فقط، بل لوجستياً وبشرياً أيضاً، إذ يتطلب إدماج هذا العدد من الطائرات برامج تدريب وصيانة وتأهيل بنية تحتية قادرة على استيعابها بكفاءة. ومع ذلك، فإن الرهان يبدو واضحاً: تعزيز القوة الجوية بسرعة محسوبة، واستثمار التحالفات السياسية لترجمة التقارب الدبلوماسي إلى مكاسب عسكرية ملموسة.
إذا ما اكتملت الصفقة، فلن تكون مجرد عملية نقل معدات، بل محطة مفصلية في إعادة تشكيل الخريطة الجوية الإقليمية، عنوانها شراكات مرنة، وحسابات ردع دقيقة، وسماء مغاربية تدخل مرحلة جديدة من التوازنات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك