أنتلجنسيا:أبو آلاء
تتجه العلاقات المغربية الكورية الجنوبية نحو منعطف غير مسبوق، بعدما بدأت ملامح شراكة صناعية ودفاعية واسعة تتشكل بين الرباط وسول، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي لتلامس ملفات شديدة الحساسية مرتبطة بالصناعات البحرية والعسكرية، وسط مؤشرات متزايدة على دخول البلدين مرحلة جديدة من التنسيق قد تعيد رسم التوازنات البحرية والإقليمية خلال السنوات المقبلة.
وكشفت معطيات رسمية صادرة عن السلطات الكورية الجنوبية عن تقدم مباحثات ثنائية مع المغرب تشمل مجالات غير مألوفة في التعاون التقليدي بين البلدين، أبرزها بناء السفن والصناعات الدفاعية، وهو ما يعكس، وفق متابعين، تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقات الاقتصادية نحو شراكة ذات طابع استراتيجي طويل المدى.
وبينما ظل التعاون بين الرباط وسول خلال السنوات الماضية محصوراً في قطاعات مثل صناعة السيارات والطاقة والبنيات التحتية والسكك الحديدية، تشير التطورات الأخيرة إلى انتقال واضح نحو ملفات أكثر حساسية، ترتبط بتطوير القدرات البحرية والدفاعية للمملكة، في سياق إقليمي يشهد سباقاً متسارعاً لتعزيز القدرات العسكرية البحرية.
وتتحدث التوقعات عن اتفاق استراتيجي مرتقب قد يرى النور خلال زيارة وزارية كورية جنوبية منتظرة إلى المغرب خلال شهر يونيو المقبل، وهي محطة يُنظر إليها باعتبارها اختباراً حاسماً لتحويل المشاورات الجارية إلى تفاهمات ملموسة ومشاريع فعلية على الأرض.
ومن بين أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، يبرز مشروع اقتناء غواصات بحرية متطورة من كوريا الجنوبية، حيث تشير تقارير متخصصة إلى وجود محادثات بشأن إمكانية حصول المغرب على ثلاث غواصات حديثة، مع ترجيحات بحسم القرار النهائي قبل سنة 2027، في خطوة قد تشكل تحولاً كبيراً في قدرات البحرية الملكية المغربية.
كما تتقاطع هذه المباحثات مع مفاوضات أخرى تتعلق بتزويد المغرب بسفن دورية بحرية حديثة، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز مراقبة السواحل ورفع الجاهزية البحرية، خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحساس للمملكة المطل على واجهتين بحريتين استراتيجيتين.
وفي موازاة ذلك، برز ملف ثالث لا يقل أهمية، يتمثل في اهتمام كوريا الجنوبية بالمشاركة في مشروع تطوير وتشغيل حوض بناء السفن بمدينة الدار البيضاء، وهو المشروع الذي تراهن عليه الرباط لتحويله إلى منصة إقليمية متخصصة في تصنيع وصيانة السفن العسكرية والمدنية، مع آفاق مستقبلية للتصدير نحو الأسواق الإفريقية والدولية.
ويبدو أن المقاربة المغربية في هذا الملف تقوم على ربط عدة أوراش استراتيجية داخل سلة تفاوضية واحدة، تشمل الغواصات وسفن الدورية وتطوير البنيات الصناعية البحرية، بما يسمح بتحقيق مكاسب أكبر تتعلق بنقل التكنولوجيا وتحسين شروط التصنيع المحلي وتعزيز الاستقلالية الصناعية على المدى البعيد.
وتحظى الغواصات الكورية الجنوبية من طراز KSS-III باهتمام خاص، نظراً لما توفره من قدرات تقنية متقدمة، تشمل أنظمة دفع مستقلة عن الهواء تتيح لها البقاء تحت الماء لفترات طويلة دون الحاجة إلى الصعود، إلى جانب اعتمادها على بطاريات حديثة وتقنيات متطورة لتقليل البصمة الصوتية، ما يصعب رصدها بواسطة أنظمة السونار التقليدية.
كما تتمتع هذه الغواصات بقدرات هجومية متعددة، تشمل إطلاق طوربيدات ثقيلة وصواريخ موجهة ضد أهداف بحرية وبرية، فضلاً عن إمكانيات زرع ألغام بحرية وإغلاق الممرات الاستراتيجية، وهي خصائص تمنحها قيمة عملياتية عالية في البيئات البحرية المعقدة.
ورغم هذا التطور، تشير المعطيات إلى أن بعض الأنظمة الحساسة والمتقدمة جداً تبقى محصورة ضمن الاستخدام العسكري الكوري الداخلي، ولا تدخل عادة ضمن عروض التصدير، في إطار القيود المفروضة على نقل بعض التقنيات الدفاعية الدقيقة.
وفي حال تحولت هذه المفاوضات إلى اتفاقات فعلية، فإن المغرب قد يكون بصدد فتح صفحة جديدة في مسار بناء قوته البحرية والصناعية، بما قد يمنحه موقعاً أكثر تأثيراً في معادلات الأمن البحري الإقليمي، ويؤشر على تحول استراتيجي لافت في شراكاته الدفاعية الدولية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك