أنتلجنسيا المغرب:حمان ميقاتي/م.كندا
لم تعد الصحة النفسية مجرد ملف ثانوي في النقاش الاجتماعي، بل
تحولت إلى قضية ملحة تفرض نفسها بقوة في ظل تسارع وتيرة الحياة وضغط الأزمات
الاقتصادية والاجتماعية، حيث أصبح الإنسان يعيش تحت وطأة توتر دائم ينعكس على
توازنه النفسي بشكل خطير ومقلق.
في مختلف دول العالم، بما فيها المغرب،
يتزايد الإقبال على خدمات الدعم النفسي، في مؤشر واضح على تنامي الوعي بأهمية
الصحة العقلية، لكن هذا الوعي يصطدم بواقع هش يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب
الرسمي والممارسة الفعلية على الأرض.
ففي الوقت الذي يتم فيه الترويج لبرامج وسياسات تعنى بالرفاه
النفسي، تتفاقم مظاهر الإهمال في الفضاءات العامة، حيث لم يعد من الغريب مشاهدة
مرضى نفسيين في وضعيات مأساوية، يتجولون في الشوارع في حالات متقدمة من الاضطراب،
دون رعاية أو حماية أو حتى تدخل إنساني بسيط.
هذه المشاهد الصادمة تكشف الوجه القاسي لأزمة صامتة، حيث يجد
هؤلاء أنفسهم في مواجهة قاسية مع الشارع، عرضة للجوع والتشرد والإهانة، بل يصل
الأمر أحيانًا إلى البحث عن الطعام في حاويات القمامة، في وضع يحط من الكرامة
الإنسانية ويعكس خللًا عميقًا في منظومة الرعاية.
الأخطر من ذلك أن هذه الفئة تعيش في هامش النسيان، حيث يغيب
عنها أي تتبع مؤسساتي جدي، وتُترك لمصير مجهول في ظل ضعف البنيات الصحية المتخصصة،
وقلة الموارد البشرية، وغياب سياسات إدماج فعالة تعيد لها مكانتها داخل المجتمع.
ولا يمكن فصل هذا الوضع عن السياق الاجتماعي العام، حيث تساهم
البطالة والفقر والهشاشة في تفاقم الاضطرابات النفسية، مما يؤدي إلى ارتفاع عدد
الحالات بشكل ملحوظ، في وقت لا تواكب فيه الخدمات الصحية هذا التزايد، ما يخلق
ضغطًا متفاقمًا على منظومة تعاني أصلًا من الهشاشة.
كما أن وصمة المرض النفسي لا تزال تشكل عائقًا كبيرًا أمام
العلاج، حيث يتردد الكثيرون في طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع، ما يؤدي إلى
تفاقم الحالات ووصولها إلى مراحل خطيرة قد تنتهي أحيانًا بمآسٍ إنسانية، من بينها
حالات الانتحار التي أصبحت تؤرق الأسر والمجتمع.
في المقابل، يطرح هذا الواقع أسئلة حارقة حول مدى جدية السياسات
العمومية في التعاطي مع هذا الملف، وحول غياب استراتيجيات واضحة تضمن التكفل
الفعلي بالمرضى النفسيين، ليس فقط من الناحية الطبية، بل أيضًا من الجانب
الاجتماعي والإنساني.
إن التعامل مع الصحة النفسية لا يمكن أن يظل محصورًا في
الشعارات أو المبادرات المحدودة، بل يتطلب رؤية شمولية تدمج الوقاية والعلاج
وإعادة الإدماج، وتضع الإنسان في صلب الاهتمام، بعيدًا عن أي حسابات ظرفية أو
مقاربات ترقيعية.
وفي ظل هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل عاجل يعيد
الاعتبار لهذه الفئة المنسية، ويضع حدًا لمشاهد المعاناة التي تتكرر يوميًا في
الشوارع، عبر سياسات واضحة وصريحة تعكس التزامًا حقيقيًا بحماية الكرامة الإنسانية.
إن الصحة النفسية لم تعد
ترفًا، بل أصبحت ضرورة اجتماعية وأخلاقية، وأي تأخر في معالجتها سيكلف المجتمع
ثمنًا باهظًا، ليس فقط على المستوى الصحي، بل أيضًا على مستوى الاستقرار والتماسك
الاجتماعي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك