أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
من الدبلوماسية الموازية إلى العمل الجمعوي والإعلامي، مسار امرأة مغربية بلجيكية تؤمن بأن الحوار بين الثقافات يشكل ركيزة أساسية للتقارب بين الشعوب، وتعزيز العلاقات بين أوروبا وإفريقيا ومختلف مناطق العالم.
وُلدت سميرة أيت الباز في بلجيكا داخل أسرة ذات أصول مغربية، ونشأت في فضاء تتقاطع فيه الثقافة المغربية مع الواقع الأوروبي. وهي تمثل جيلاً من النساء المنحدرات من أصول مهاجرة اللواتي يسعين إلى تحويل تعدد انتماءاتهن الثقافية إلى مصدر قوة، ووسيلة لتعزيز الحوار والتفاهم بين المجتمعات.
وبحكم ارتباطها بجذورها المغربية واندماجها في المجتمع البلجيكي، تهتم سميرة أيت الباز بالعلاقات الإنسانية والتواصل وإبراز التجارب الفردية، فضلاً عن الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجاليات في التقريب بين الشعوب وبناء علاقات قائمة على المعرفة المتبادلة والتعاون.
ويرتبط مسارها باهتمام متواصل بالتواصل والعمل الجمعوي والانفتاح على القضايا الدولية. فمن خلال تجاربها المختلفة، سعت إلى دعم المبادرات التي تقرب بين المؤسسات وفعاليات المجتمع المدني والجاليات، مع إيلاء أهمية خاصة لإبراز الكفاءات النسائية والتعريف بالتجارب الإنسانية التي تستحق أن تصل إلى الجمهور.
وقد شكل تأسيس الهيئة الدولية للدبلوماسية الموازية محطة مهمة في مسارها، إذ تولت مسؤولية التأسيس والإدارة العامة للهيئة. وتعكس هذه التجربة اهتمامها بالدبلوماسية الموازية باعتبارها مجالاً مكملاً للعلاقات الرسمية، يتيح فتح قنوات للحوار والتعاون بين المؤسسات والفاعلين الجمعويين والثقافيين.
ففي عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية مقتصرة على التواصل بين الحكومات، أصبحت المبادرات المدنية والثقافية والجمعوية قادرة على الإسهام في بناء جسور جديدة بين الشعوب، وتشجيع اللقاءات، وتبادل الخبرات، وإشراك الكفاءات المنحدرة من الجاليات في النقاشات المتعلقة بالتنمية والتعاون الدولي.
واليوم، تواصل سميرة أيت الباز مسارها من خلال انخراطها في جمعية نبض الجالية، المعروفة باسم «دياسبورا بالس»، التي تهتم، من بين مجالات اشتغالها، بالديناميات الإفريقية والعلاقات بين إفريقيا وأوروبا. غير أن رؤيتها تتجاوز حدود جالية بعينها، لتتبنى تصوراً أوسع يقوم على الانفتاح على مختلف جاليات العالم، مهما اختلفت أصولها وثقافاتها وبلدانها.
فلكل جالية تاريخها وهويتها وتجربتها الخاصة، سواء تعلق الأمر بالجاليات المغاربية أو الإفريقية أو الأوروبية أو الآسيوية أو غيرها. وتشكل هذه الجاليات جزءاً من ثراء المجتمعات المعاصرة، بما تقدمه من مساهمات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما تتيحه من فرص لتبادل المعرفة والخبرات وتعزيز العلاقات بين الشعوب.
وتنطلق هذه الرؤية من قناعة أساسية مفادها أن الجاليات لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها مجموعات بشرية تعيش خارج بلدانها الأصلية، بل أيضاً باعتبارها رصيداً من الكفاءات والتجارب والعلاقات التي يمكن أن تسهم في التنمية والتعاون ونقل المعرفة بين المجتمعات.
فالأشخاص الذين يعيشون بين ثقافتين أو أكثر يمتلكون، في كثير من الأحيان، معرفة بواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي متنوع. ويمكن لهذه المعرفة أن تساعد على التقريب بين الفاعلين، وتسهيل تبادل التجارب، وتشجيع المبادرات المشتركة بين البلدان والمجتمعات.
ومن هذا المنطلق، تسعى سميرة أيت الباز إلى تشجيع اللقاءات، وإبراز المسارات الإنسانية، وفتح فضاءات تسمح لمختلف الجاليات بالتعارف وتبادل الخبرات والعمل على مبادرات مشتركة. فاختلاف الأصول، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون حاجزاً أمام التواصل، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة إضافية لبناء الثقة والتعاون والتفاهم المتبادل.
ويحتل الإعلام والتواصل مكانة مهمة في هذا المسار. فمن خلال برنامج «مسارات متقاطعة»، الذي يُبث عبر منصة جمعية نبض الجالية، تساهم سميرة أيت الباز في تسليط الضوء على تجارب إنسانية ومشاريع ومسارات مهنية واجتماعية يمكن أن تحمل رسائل ملهمة لجمهور متنوع.
وتقوم فكرة البرنامج على مبدأ بسيط، لكنه عميق الدلالة: وراء كل مسار إنساني اختيارات وتحديات ولقاءات ودروس مستفادة. ومنح الكلمة للأشخاص الذين يبادرون ويعملون وينخرطون في المجتمع، أو ينقلون تجاربهم إلى الآخرين، يساعد على تجاوز الصور النمطية وفهم تعدد التجارب الإنسانية بصورة أوسع.
ولا يقتصر دور هذا النوع من المبادرات الإعلامية على التعريف بالشخصيات أو إبراز النجاحات الفردية، بل يمكنه أيضاً أن يساهم في التعريف بواقع المجتمعات المختلفة، والاعتراف بالكفاءات، وتشجيع الحوار بين أشخاص قد تختلف خلفياتهم، لكنهم يتقاسمون تطلعات مشتركة نحو مستقبل أفضل.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها الجاليات في مختلف أنحاء العالم. فقد أصبحت المجتمعات المقيمة خارج بلدانها الأصلية تساهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لبلدان الإقامة، مع استمرار ارتباطها بأوطانها ومناطقها الأصلية. كما تستطيع الأجيال الجديدة، التي نشأت في بيئات متعددة الثقافات، أن تؤدي دوراً مهماً في تجديد العلاقات بين المجتمعات وتعزيز التعاون بينها.
وبالنسبة إلى المغرب، تمثل الجالية المغربية بالخارج أكثر من مجرد ارتباط عاطفي بالوطن الأم. فهي شبكة من الكفاءات والتجارب والعلاقات التي يمكن أن تسهم في التنمية الترابية، والتبادل الثقافي، وبناء الشراكات الدولية. وينطبق الأمر نفسه على مختلف الجاليات التي تعيش في أوروبا، إذ يمكن لتجاربها المتنوعة أن تثري الحوار بين المجتمعات وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون.
وعلى المستوى الدولي، تستطيع الجاليات أن تساهم في بناء تعاون أكثر توازناً، يقوم على المعرفة المتبادلة وتكامل الكفاءات. ولا يقتصر دورها على التحويلات المالية أو الحفاظ على العلاقات مع بلدان الأصل، بل يمتد إلى الثقافة والتعليم وريادة الأعمال والعمل الجمعوي والإعلام والمبادرات المدنية.
وفي هذا السياق، يندرج مسار سميرة أيت الباز عند تقاطع العمل الجمعوي والتواصل وإبراز التجارب الإنسانية. كما يسلط الضوء على أهمية مشاركة المرأة في المبادرات المدنية والفضاءات التي تتشكل فيها أشكال جديدة من الحوار بين الثقافات.
فالمشاركة النسائية في العمل الجمعوي والإعلامي لم تعد مجرد حضور رمزي، بل يمكن أن تكون وسيلة للإسهام في تدبير المبادرات، وتطوير قنوات التواصل، وإبراز قضايا المجتمع، وفتح المجال أمام تجارب جديدة. وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى النساء اللواتي يجمعن بين معرفة المجتمع الأوروبي والارتباط بالثقافة المغربية، بما يتيح لهن التواصل مع أجيال وبيئات مختلفة.
وبعيداً عن المناصب والصفات المؤسساتية، يظل السؤال الأساسي هو كيفية تحويل الروابط بين الجاليات وبلدان الأصل ومجتمعات الإقامة إلى مبادرات عملية ومستدامة. ويتطلب ذلك الإصغاء إلى احتياجات الناس، والاعتراف بكفاءاتهم، وتوفير فضاءات تسمح بتحويل الأفكار إلى مشاريع ذات أثر ملموس.
كما يتطلب تجاوز الانغلاق داخل الحدود المجتمعية والثقافية الضيقة. فلكل جالية خصوصيتها، لكن الجاليات المختلفة تستطيع أن تلتقي حول أهداف مشتركة، مثل تعزيز الثقافة، ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، ومواجهة الصور النمطية، وبناء علاقات أكثر متانة بين المجتمعات.
ومن خلال اهتمامها بالعمل الجمعوي والإعلامي، تتبنى سميرة أيت الباز مقاربة تجعل من التواصل وسيلة للتقريب بين الأشخاص، وإبراز التجارب، وفتح آفاق جديدة أمام التعاون. فالإعلام، في هذا التصور، لا يقتصر على نقل الرسائل والأخبار، بل يمكن أن يؤدي دوراً في التعريف بالكفاءات، وتوسيع مساحة الحوار، وتشجيع المبادرات التي تخدم المصلحة المشتركة.
إن تجربتها تعكس واقعاً معاصراً أصبحت فيه التعددية الثقافية مصدر قوة عندما تقترن بالعمل والانفتاح والرغبة في خدمة المجتمع. وبين بلجيكا والمغرب وإفريقيا ومختلف مناطق العالم، توجد جسور قائمة يمكن تعزيزها وتطويرها، حتى تتحول إلى أدوات حقيقية للتعاون والتضامن والتنمية.
وفي نهاية المطاف، فإن الرهان لا يتعلق فقط بإبراز أهمية الجاليات، بل بتمكينها من المشاركة الفعلية في صناعة المستقبل. فالمجتمعات التي تنجح في تحويل تنوعها الثقافي إلى فرصة للحوار والتعاون تكون أكثر قدرة على الاستفادة من خبرات أبنائها، وتعزيز التفاهم بين مكوناتها، وفتح آفاق أوسع أمام الأجيال القادمة.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرات التي تسعى إلى التقريب بين الجاليات، وإبراز تجاربها، وتشجيع التواصل بينها، انطلاقاً من مبدأ بسيط: إن اختلاف الأصول والثقافات لا يمنع وحدة الطموحات الإنسانية، وإن بناء الجسور بين الشعوب يبدأ بالمعرفة المتبادلة والاحترام والعمل المشترك.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك