أنتلجنسيا المغرب:ياسر اروين
أحدثت نتائج الاستطلاع الأخير في إسبانيا صدمة واسعة، حيث أكثر من نصف المواطنين الإسبان يعتقدون بجدّية احتمال اندلاع حرب بين مدريد والرباط خلال السنوات المقبلة.
الرقم لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تراكم توتّرات جيوسياسية، وحدوداً ملتهبة، وملفات مستعصية، فتحوّل المغرب، بنظر الإسبان ـإلى جارٍ غير مطمئن يتحرك بمنطق القوة لا بمنطق التعاون.
سياسة الرباط الخارجية:بين التوسع الإقليمي وفرض الأمر الواقع
يرى جزء واسع من الإسبان أن المغرب يتبنى خلال السنوات الأخيرة خطاباً هجومياً ونزعة توسعية صريحة، خصوصاً بعد فتح ملفات حساسة مثل:
الضغط المستمر حول سبتة ومليلية ومطالبتهما بسيادة “غير قابلة للتفاوض”.
التحركات العسكرية حول الحدود البحرية لأقاليم الكناري.
توظيف الورقة الأمنية والهجرة كورقة ابتزاز سياسي.
تعزيز تحالفات عسكرية واقتصادية مع قوى كبرى، وتقديم نفسه كقوة إقليمية صاعدة.
هذه السلوكيات تُقرأ في مدريد كرسالة واضحة، الرباط تريد تغيير قواعد اللعبة مع إسبانيا، ولو عبر خلق توتر دائم.
ملف الهجرة:السلاح الذي يشعل المخاوف
لا ينسى الإسبان حادث “أزمة سبتة” حين سمحت السلطات المغربية بعبور آلاف القاصرين والمهاجرين في ساعات معدودة، ما اعتُبر تهديداً مباشراً للأمن القومي الإسباني.
بالنسبة لكثيرين في إسبانيا، تلك الواقعة كانت لحظة كشف، أن المغرب قادر على استخدام الهجرة كسلاح سياسي كما شاء، ما يجعل احتمال التصعيد في المستقبل أمراً واقعياً.
سباق التسلّح: التفوق العسكري المغربي يرفع منسوب التوتر
خلال العقد الأخير، ضخّ المغرب مليارات الدولارات في تحديث الجيش، مقتنياً:
طائرات F-16 المطوّرة
طائرات مسيّرة متقدمة
منظومات دفاع أمريكية وإسرائيلية
تقنيات تجسس واستطلاع ذات قدرات عالية
وفي المقابل، تتراجع القدرات العسكرية الإسبانية نسبياً تحت ضغط التقشف وتغيّر الأولويات..
فهذا الاختلال في ميزان القوة النسبي جعل الإسبان يتساءلون، هل يستعد المغرب فعلاً لفرض حقائق جديدة بالقوة؟
صمت الرباط ورسائلها الملتبسة
من زاوية إسبانية، تعمّق الرباط شعور عدم اليقين بسبب:
تصريحات رسمية مغربية تُلمّح إلى “حق تاريخي” في سبتة ومليلية.
تحركات دبلوماسية حادة تضع إسبانيا في وضع دفاعي دائم.
غياب خطاب تطمين من السلطات المغربية تجاه الجار الشمالي.
في مدريد، يُنظر إلى هذا الصمت كاستراتيجية مقصودة، تدفع نحو تحريك الخوف لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية.
المجتمع الإسباني بين القلق والتحضير الذهني
الإسبان اليوم لا يتحدثون عن الحرب كفكرة خيالية، بل كاحتمال جدي، نتيجة:
توتر الحدود البحرية والجوية
تحول المغرب إلى قوة عسكرية صاعدة
جمود ملف سبتة ومليلية
انهيار الثقة السياسية بين البلدين
توسع المغرب الدبلوماسي في إفريقيا وتأثيره على مصالح مدريد
كل هذه العوامل تجعل الإسبان يشعرون بأن المغرب لم يعد “الجار الصامت” بل الجار الطموح الذي لا يعترف بالمحرمات التاريخية.
الرباط تلعب بالنار ومدريد تستعد للأسوأ
الخوف الإسباني ليس خيالاً سياسياً ولا دعاية إعلامية، بل نتيجة سياسة مغربية هجومية، غامضة، ومبنية على موازنة المصالح بالقوة.
وبينما يرى المغرب أن له الحق في الضغط لاستعادة ما يعتبره “أراضيه التاريخية”، ترى إسبانيا أن الرباط تتصرف كدولة تسعى إلى إعادة رسم الحدود بالقوة.
الحقيقة الصادمة أن ثقة الإسبان في نوايا المغرب وصلت إلى أدنى مستوى منذ نهاية الحماية، وأن أي شرارة صغيرة ، حادث حدودي، أزمة مهاجرين، صدام بحري...قد تُحوّل القلق الشعبي إلى مواجهة حقيقية.
السؤال الذي يُتداول اليوم في مدريد ليس:“هل يمكن أن تحدث الحرب؟”بل:“متى… وكيف… وما الذي ستفعله الحكومة الإسبانية لمنع انفجارها؟”
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك