رفض عرض بـ3,5 مليارات دولار يعيد مصفاة “سامير” إلى المربع الأول وأكبر جرح طاقي في المغرب يظل مفتوحا منذ عقد من الزمن

رفض عرض بـ3,5 مليارات دولار يعيد مصفاة “سامير” إلى المربع الأول وأكبر جرح طاقي في المغرب يظل مفتوحا منذ عقد من الزمن
تقارير / الجمعة 27 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

بقرار قضائي حاسم، أسدلت المحكمة التجارية بالدار البيضاء الستار مؤقتاً على واحد من أضخم العروض الاستثمارية في تاريخ الصناعة الطاقية بالمغرب، بعدما رفضت العرض الإماراتي الأخير للاستحواذ على أصول شركة سامير، لتعود القضية التي تؤرق الاقتصاد الوطني منذ سنوات إلى نقطة الصفر، رغم أن قيمة العرض بلغت نحو 3,5 مليارات دولار، وهو أعلى رقم طُرح منذ دخول المصفاة مرحلة التصفية القضائية قبل ما يقارب عشر سنوات.

الحكم، الذي وُصف بكونه قطعياً، يعكس حجم التعقيدات القانونية والمالية التي ما تزال تحيط بملف المصفاة المتوقفة منذ غشت 2015، حين انهارت تحت وطأة ديون فاقت 40 مليار درهم، في واحدة من أكبر الأزمات الصناعية التي عرفها المغرب الحديث. ومنذ أن وضعتها المحكمة نفسها تحت التصفية القضائية في مارس 2016، ظل مصيرها معلقاً بين طلبات عروض دولية ومفاوضات لم تكتمل، فيما بقيت خزاناتها وأنابيبها شاهدة على فراغ صناعي كلّف البلاد الكثير.

العرض المرفوض قادته شركة إماراتية بدعم مالي دولي، وكان يستهدف الاستحواذ على كامل الأصول الصناعية واللوجستية للمصفاة الكائنة بمدينة المحمدية، بما يشمل وحدات التكرير، وأنظمة التخزين، والبنيات التحتية المرتبطة بالتشغيل، وشبكات الربط اللوجستي، تمهيداً لإعادة تشغيل المنشأة كمركز صناعي يعيد للمغرب جزءاً من قدرته على تكرير النفط محلياً. غير أن الصفقة كانت مشروطة بمرحلة تمهيدية أساسية، تتعلق بتمكين المستثمر من إجراء افتحاص تقني شامل للموقع لتحديد الحالة الفعلية للمعدات بعد سنوات من التوقف، وتقدير كلفة إعادة التأهيل وضمان مطابقة المنشأة للمعايير البيئية والصناعية الدولية.

هذا الشرط التقني، الذي يبدو بديهياً في منطق الاستثمار الصناعي، يعكس في العمق معضلة أكبر: إعادة تشغيل مصفاة متوقفة منذ عقد ليست مجرد قرار مالي، بل مشروع ضخم محفوف بالمخاطر التقنية والبيئية واللوجستية. فالوحدات الصناعية التي ظلت خارج الخدمة تحتاج إلى تقييم دقيق، وأنظمة السلامة تتطلب مراجعة شاملة، والاستثمارات الإضافية قد تتجاوز التوقعات الأولية بكثير. وهنا تتقاطع الحسابات القضائية مع اعتبارات المخاطر، لتتعثر الصفقة رغم بريق الرقم المعروض.

أزمة “سامير” تعود جذورها إلى سنوات ما بعد خصخصتها سنة 1997، حين انتقلت ملكية الحصة الأكبر إلى شركة “كورال بتروليوم” التابعة لرجل الأعمال السعودي محمد العامودي، في سياق تحول كبير عرفه قطاع التكرير بالمغرب آنذاك. غير أن التراكم التدريجي للديون، خاصة تجاه إدارة الجمارك والضرائب والمؤسسات البنكية، أدى إلى اختلال مالي عميق انتهى بتوقف الإنتاج وإدخال الشركة في مسطرة التصفية. ومنذ ذلك الحين، تحولت المصفاة إلى ملف ثقيل على طاولة القضاء والاقتصاد معاً.

التقييمات القضائية السابقة قدرت قيمة أصول المصفاة بأزيد من ملياري دولار، فيما حُددت أهداف بيع تراوحت بين ملياري و2,5 مليار دولار. ورغم إطلاق طلبات عروض دولية متعددة، كان آخرها في فبراير 2023 واستقطب اهتماماً من مستثمرين من الإمارات والسعودية والولايات المتحدة والهند والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا، لم تثمر أي مبادرة عن اتفاق نهائي. العرض الإماراتي الأخير، بقيمته القياسية، بدا لكثيرين فرصة تاريخية لإحياء منشأة استراتيجية ظلت مجمدة، لكن قرار الرفض أعاد عقارب الساعة إلى الوراء.

الأبعاد لا تقف عند حدود شركة مفلسة، بل تمس صميم الأمن الطاقي الوطني. فمنذ توقف المصفاة، فقد المغرب بالكامل قدرته على تكرير النفط محلياً، وأصبح يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المنتجات النفطية المكررة، ما زاد من هشاشته أمام تقلبات الأسعار العالمية وقلص هامش المناورة في تدبير الإمدادات. كانت منشأة المحمدية تمثل ركيزة في سلسلة الطاقة، ليس فقط من حيث التكرير، بل أيضاً التخزين والدعم اللوجستي، وربط قطاعات النقل والصناعة والتوزيع بشبكة وطنية متكاملة.

إعادة تشغيلها، إن حدثت مستقبلاً، لن تكون مجرد استثمار صناعي، بل استعادة لجزء من السيادة الطاقية المفقودة. غير أن قرار المحكمة يبرز أن الملف أعقد من مجرد رقم مرتفع على طاولة التفاوض؛ إنه اختبار لقدرة المغرب على حل واحدة من أطول أزماته الصناعية، وموازنة ضرورات الجذب الاستثماري مع مقتضيات الشفافية القانونية وحماية الدائنين وضمان الجدوى الاقتصادية.

اليوم، وبعد رفض عرض هو الأعلى في تاريخ التفويت، تعود “سامير” إلى حالة الانتظار، بين أصول ضخمة معطلة وسوق طاقية عالمية شديدة التقلب. السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط من سيشتري المصفاة، بل بأي كلفة سياسية واقتصادية سيستمر تجميدها، وإلى متى سيظل أكبر شريان صناعي في قطاع الطاقة المغربي خارج الخدمة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك