لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟(الحلقة4 والأخيرة)

لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟(الحلقة4 والأخيرة)
تقارير / السبت 22 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

كتابة الذات وكتابة السلطة

يحتل أدب السجون موقعا خاصا ومتفردا في الذاكرة السياسية والثقافية المغربية، لأنه لا يكتفي باستعادة تجربة الاعتقال بما تنطوي عليه من ألم وتعذيب وحرمان مباشر من الحرية، وإنما يتيح، حين يتجاوز حدود الشهادة الفردية الضيقة، إعادة بناء جانب مهم من تاريخ الدولة والمجتمع وعلاقة السلطة بالمعارضين والمختلفين معها على اختلاف مشاربهم. ومن هذه الزاوية التحليلية تبدو المقارنة بين ما أنتجه المعتقلون اليساريون وما أنتجه المعتقلون الإسلاميون، ولا سيما المنتمون منهم إلى التيار السلفي تحديدا، مقارنة كاشفة عن اختلاف أعمق بكثير من مجرد تفاوت كمي في حجم الإنتاج الأدبي المتراكم. إنها تكشف، في جوهرها، عن اختلاف نوعي في وظيفة الذاكرة ذاتها، وفي الطريقة التي يفهم بها كل معتقل تجربته الخاصة، وفي اللغة التحليلية التي يستخدمها لتحويل الألم الفردي إلى نص مكتوب، والنص إلى معرفة عامة، والمعرفة إلى ذاكرة جماعية مشتركة يعترف بها المجتمع بأسره.

فليس من الممكن، منهجيا وتاريخا، تفسير غزارة أدب السجون اليساري في المغرب، مقارنة بمحدودية الأدب المنبثق عن التجربة السلفية تحديدا، بالقول المبسط إن اليساريين تعرضوا للقمع بدرجة أكبر أو عانوا داخل السجون بشكل أشد موضوعيا. فقد عرفت التجربة المغربية التاريخية حالات التقت فيها فعليا أجساد معتقلين من تيارات سياسية وفكرية مختلفة تماما داخل فضاءات الاعتقال نفسها في اللحظة الزمنية ذاتها، وعرفت الزنازين والمعتقلات المشتركة أشكالا متقاربة إلى حد بعيد من العنف الجسدي والتحقيق القاسي والمحاكمة غير العادلة والعزلة الطويلة، بصرف النظر عن الانتماء الفكري للمعتقل. كما أن معتقلي التيار السلفي تحديدا، خصوصا بعد أحداث 2003 المذكورة سابقا، عاشوا تجربة اعتقال واسعة النطاق وممتدة زمنيا تركت آثارا نفسية واجتماعية عميقة موثقة في الأفراد المعنيين مباشرة وفي أسرهم والمجتمع المحيط بهم على السواء. ومع ذلك كله، لم تنتج هذه التجربة الموثقة، حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، جسما أدبيا موازيا يضاهي في حضوره الثقافي وانتشاره الجماهيري ما أنتجته تجارب اليسار المغربي على مدى العقود الماضية.

ويبدو، أن المدخل الأكثر قدرة تفسيرية لهذه المفارقة الظاهرية هو التمييز الدقيق بين مستويين متمايزين من الكتابة عن التجربة السجنية ذاتها: كتابة الذات وكتابة السلطة. فالمعتقل، حين يقرر الكتابة عن تجربته، يستطيع نظريا أن يظل بالكامل داخل حدود تجربته الشخصية الضيقة، فيروي بالتفصيل اعتقاله وتعذيبه ومحاكمته وسنوات سجنه المتتالية دون أن يتجاوزها، أو يستطيع بالمقابل، وهذا هو الخيار الأكثر تعقيدا وطموحا، أن يجعل من تجربته الفردية مدخلا تحليليا إلى سؤال أوسع بكثير يتناول الدولة والمؤسسات والأجهزة الأمنية وآليات إنتاج الاعتقال والقمع بوصفها ظاهرة بنيوية متكررة تتجاوز حالته الفردية. وفي الحالة الأولى من هذا التمييز، تصبح الكتابة، بحكم اختيارها المنهجي، مجرد شهادة موثقة على الألم الشخصي مهما بلغت من الصدق والقوة، وفي الحالة الثانية، على النقيض من ذلك، تتحول الشهادة الفردية نفسها إلى مدخل حقيقي لمعرفة تحليلية أعمق بالسلطة وآلياتها البنيوية.

لقد نجح جزء مهم ومعتبر من الكتابة اليسارية المغربية تحديدا في الانتقال الفعلي من المستوى الأول إلى المستوى الثاني من هذا التمييز التحليلي. فالمعتقل اليساري لم يكن يدخل السجن، في الغالب الأعم من الحالات الموثقة، باعتباره فردا منعزلا تماما عن تصور سياسي نظري سابق على اعتقاله، وإنما كان يحمل معه، بحكم انتمائه الأيديولوجي المسبق، تصورا متكاملا نسبيا عن الدولة والمجتمع والصراع السياسي وموقع السلطة الحاكمة داخل هذا الصراع الأوسع. ولذلك لم تكن الزنزانة، بالنسبة إليه من موقعه الفكري هذا، مجرد مكان مادي للعقوبة الجسدية المجردة، وإنما كانت تفهم، من داخل إطاره النظري المسبق، جزءا عضويا من بنية سياسية أوسع كان يعتقد أصلا بوجودها الموضوعي قبل لحظة اعتقاله الفعلية. وعندما شرع لاحقا في كتابة تجربته، كان من الطبيعي تماما، بحكم هذا الإطار الفكري السابق، أن يستعيدها ويصوغها من داخل الإطار التفسيري النظري نفسه الذي كان يحمله أصلا قبل دخوله السجن.

ومن هنا تحولت عناصر التجربة السجنية، في عدد معتبر من المذكرات اليسارية المنشورة، إلى مفاتيح تحليلية حقيقية لفهم بنية السلطة ذاتها. فالجلاد، في هذا النوع من الكتابة التحليلية، لا يظهر دائما بوصفه فردا معزولا يمارس عنفا شخصيا محضا فحسب، وإنما يقدم، في كثير من الأحيان، باعتباره جزءا عضويا من جهاز مؤسسي أوسع يتجاوزه شخصيا. والتحقيق، بدوره، لا يقدم باعتباره مجرد تجربة شخصية قاسية معزولة فقط، وإنما يقدم باعتباره ممارسة منهجية متكررة داخل مؤسسة بيروقراطية متكاملة لها منطقها الخاص. والمحاكمة، من جهتها، لا تقرأ دائما في هذا النوع من الكتابة بوصفها مسارا قضائيا فرديا منفصلا عن سياقه، وإنما تقرأ باعتبارها جزءا لا يتجزأ من علاقة أوسع بكثير تربط الدولة بالمعارضة السياسية ككل. والسجن نفسه، في نهاية هذا التحليل، لا يبقى مجرد مكان مغلق ماديا محدود الدلالة، وإنما يصبح، عبر هذه الكتابة التحليلية المتراكمة، مرآة رمزية تعكس نظاما سياسيا بأكمله وتكشف آلياته الداخلية.

وهذا بالتحديد ما يفسر القدرة اللافتة للكتابة اليسارية المغربية على الانتقال المنهجي من مجرد طرح عبارة ماذا حدث لي؟ الفردية المحضة إلى طرح سؤال أعمق وأشمل هو كيف حدث ذلك؟ على المستوى البنيوي العام. فالمسألة هنا لا تتعلق، من الناحية التحليلية ، بمجرد بلاغة أدبية متفوقة أو موهبة سردية فردية استثنائية، وإنما تتعلق أساسا بامتلاك أدوات تفسيرية نظرية مسبقة تسمح للمعتقل بتحويل تجربته الفردية المحضة إلى واقعة سياسية ذات دلالة عامة تتجاوزه شخصيا. إنه يبدأ سرديا، في الغالب، من الجسد المتألم، من آثار التعذيب الملموسة والخوف المستمر والجوع الموثق والعزلة الطويلة، لكنه لا ينتهي عند حدود هذا الجسد الفردي المتألم بل ينتقل تحليليا، بفضل أدواته النظرية المسبقة، إلى المؤسسة البيروقراطية التي أنتجت هذه الممارسة القمعية أصلا، وإلى السياق السياسي الأوسع الذي جعل هذه الممارسة ممكنة تاريخيا، وإلى الدولة نفسها التي احتضنت هذه الممارسة أو سمحت بها ضمنيا أو عجزت فعليا عن منعها رغم التزاماتها القانونية والدستورية المعلنة.

أما التجربة السلفية، من جهة مقابلة، فقد تشكلت في سياق فكري ونفسي مختلف جوهريا عن السياق اليساري الموصوف أعلاه. فقد دخل كثير من المعتقلين السلفيين السجن وهم يحملون معهم مفردات تفسيرية أخرى مختلفة تماما لتفسير المحنة التي يعيشونها مفردات الابتلاء الإلهي، والصبر على قدر الله، والثبات أمام الفتنة، والاحتساب عند الله، والظلم الواقع عليهم من الحكام، والفرج المرتقب بعد الشدة. وهي مفردات تؤدي، بلا شك، وظيفة نفسية وروحية بالغة الأهمية والفعالية، لأنها تساعد الإنسان فعليا على تحمل تجربة استثنائية القسوة والامتداد الزمني. لكنها، في المقابل، لا توفر بالضرورة الأدوات التحليلية النظرية نفسها اللازمة لتفكيك بنية المؤسسة السياسية والأمنية التي أنتجت هذه المحنة أصلا، لأنها مفردات دينية وأخلاقية بطبيعتها لا مفردات سياسية وسوسيولوجية تحليلية.

ولهذا السبب البنيوي نجد أن جزءا معتبرا من الكتابة السلفية المتاحة حاليا عن تجربة السجن ظل قريبا بشكل واضح من بنية الشهادة الشخصية المباشرة. فالنص، في هذا النمط الغالب من الكتابة، يبدأ عادة من لحظة الاعتقال المفاجئة، ثم ينتقل تتابعيا إلى التحقيق والتعذيب والمحاكمة والسجن الطويل، ثم إلى معاناة الأسرة والسنوات الضائعة وآثار التجربة النفسية والاجتماعية بعد الإفراج النهائي. وفي هذا النوع من الكتابة السردية يكون مركز الثقل الأساسي للسرد هو ضمير المتكلم المفرد (الأنا): أنا الذي اعتقلت ظلما، أنا الذي عذبت جسديا ونفسيا، أنا الذي حوكمت في ظروف غير عادلة، أنا الذي قضيت سنوات طويلة خلف القضبان بعيدا عن أهلي، أنا الذي خرجت أخيرا لأجد أن حياتي بأكملها قد تغيرت جذريا عما كانت عليه.

ولا يعني هذا التحليل المقارن، بأي حال من الأحوال، أن هذا النمط من الكتابة السلفية المرتكزة على الشهادة الشخصية ناقص من حيث الصدق الإنساني أو القيمة التوثيقية والأخلاقية. على العكس تماما من ذلك، قد تكون الشهادة الشخصية المباشرة، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة فعلية على نقل الألم الحسي والنفسي المباشر إلى القارئ، وأكثر قربا بكثير من التفاصيل اليومية الدقيقة التي يصعب غالبا على الكتابة التحليلية المجردة أن تلتقطها بالحساسية نفسها. غير أن المشكلة المنهجية الحقيقية تظهر تحديدا عندما تتوقف الذاكرة المكتوبة عند حدود التجربة الذاتية الضيقة فقط، ولا تنتقل، ولو جزئيا، إلى مستوى تفكيك الشروط البنيوية الأوسع التي أنتجت هذه التجربة أصلا. فهناك فرق تحليلي جوهري بين أن تقول الشهادة، ببساطة، (هذا ما حدث لي شخصيا)، وبين أن تسأل، بطموح تحليلي أوسع، (ما الذي تكشفه تجربتي الفردية عن الدولة والمجتمع والمرحلة التاريخية بأكملها التي عشتها؟).

ومن هنا يمكن فهم الفارق التحليلي الدقيق بين ما يمكن تسميته (أدب المظلومية) من جهة و(أدب السجون) بمعناه الأوسع والأعمق من جهة أخرى. فأدب المظلومية، بحكم طبيعته الخاصة، يحتاج أساسا إلى رواية الألم بأمانة وإثبات وقوعه الفعلي الموثق، وهي مهمة توثيقية بالغة الأهمية لا يمكن الاستهانة بقيمتها الحقوقية والإنسانية بأي حال. بينما يحتاج أدب السجون بمعناه الأشمل والأعمق إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير يحتاج، تحديدا، إلى تحويل الألم الموثق إلى سؤال تحليلي مفتوح. فالتعذيب، على سبيل المثال التوضيحي، يمكن أن يكون مجرد واقعة فردية يرويها المعتقل بتفاصيلها المؤلمة، ويمكن في الوقت ذاته أن يصبح، عبر معالجة تحليلية أعمق، مادة خصبة لتحليل منظومة التحقيق البيروقراطية بأكملها، وثقافة الأجهزة الأمنية الداخلية، وآليات انتزاع الاعتراف المنهجية، وعلاقة السلطة التنفيذية بسيادة القانون بشكل عام. والسجن، بالمثل، يمكن أن يظهر في النص باعتباره مجرد سنوات ضائعة من حياة فرد بعينه، ويمكن في الوقت نفسه أن يتحول، عبر معالجة تحليلية طموحة، إلى وثيقة تاريخية شاملة تكشف طبيعة مرحلة سياسية كاملة من تاريخ البلد.

لقد اكتشف بعض الإسلاميين، من خلال هذا الاحتكاك القسري المباشر داخل السجن، أن تجربتهم الشخصية ليست حادثة معزولة تماما عن تاريخ الاعتقال السياسي المغربي الأوسع، وأن الألم الذي عاشوه بأنفسهم يمكن أن يوضع فعليا بجوار تجارب أخرى مختلفة الانتماء، وأن السجن ليس مجرد مكان يجمع ضحايا مختلفين بشكل عرضي فحسب، بل هو فضاء يمكن من خلاله فعليا اكتشاف آليات مشتركة تحكم علاقة السلطة بكل من يختلف معها بصرف النظر عن هويته الفكرية المحددة. وفي المقابل، أتاح هذا الاحتكاك المباشر باليساريين لبعض الإسلاميين المعنيين الاقتراب الفعلي من لغة الحقوق والذاكرة والسياسة والمؤسسة والدولة بمعناها التحليلي الأوسع، وهي لغة لم تكن بالضرورة متوفرة لديهم سلفا قبل هذه التجربة المشتركة.

ولهذا السبب بالتحديد فإن بعض الكتابات الإسلامية التي ظهرت فعليا من رحم تجارب السجن المشترك مع اليساريين تبدو، عند فحصها النقدي، مختلفة نسبيا عن النمط الغالب في الكتابة السلفية لأنها لا تكتفي باستعادة الذات الفردية المحضة، وإنما تحاول فعليا، ولو جزئيا، النظر إلى التجربة بأكملها من خارج حدودها الفردية الضيقة. وهنا بالتحديد تظهر أهمية ما يمكن تسميته إجرائيا (العبور من الزنزانة إلى التاريخ) أي القدرة الفعلية للمعتقل، أيا كان انتماؤه الفكري الأصلي، على ألا يرى سجنه الخاص بوصفه حادثة فردية تخصه هو وحده بمعزل عن سياقها، وإنما باعتباره جزءا عضويا من تاريخ أكبر بكثير يمكن مقارنته بتجارب أخرى مشابهة وتحليله نقديا وتأويله ضمن سياق أوسع.

غير أن هذا الوعي التحليلي الناشئ، رغم أهميته وقيمته، لم يتحول بعد إلى تيار أدبي واسع الانتشار داخل الكتابة السلفية المغربية بشكل عام. ويمكن تفسير هذا التوقف النسبي بمجموعة من العوامل المتداخلة والمتراكمة معا. أولها أن كثيرا من المعتقلين، بعد الإفراج الفعلي عنهم، وجدوا أنفسهم فجأة أمام مهمة يومية أكثر إلحاحا وضرورة من الكتابة الأدبية المتأنية إعادة بناء حياتهم الشخصية من الصفر تقريبا، واستعادة العلاقة الطبيعية مع أفراد أسرهم بعد سنوات طويلة من الغياب، والبحث عن فرصة عمل مستقرة في مجتمع قد ينظر إليهم بريبة، ومعالجة الآثار النفسية والجسدية المتراكمة للسجن الطويل، والتكيف التدريجي مع مجتمع تغير كثيرا خلال سنوات غيابهم عنه. وفي مثل هذه الظروف الضاغطة والعاجلة، تصبح الكتابة، حين تحدث فعليا رغم كل هذه الضغوط، وسيلة أساسية لاستعادة الذات الفردية وترميم الذاكرة الشخصية المتصدعة، أكثر بكثير مما تصبح مشروعا فكريا طموحا لإعادة قراءة المرحلة التاريخية بأكملها من منظور تحليلي أوسع.

وثانيها أن جزءا معتبرا من الثقافة السلفية السائدة لم يطور، بالقدر نفسه الذي طورته الثقافة اليسارية، تقليدا واسع الانتشار ومتجذرا في كتابة المذكرات السياسية التحليلية وتحليل بنية الدولة ومؤسساتها المختلفة. فالأولوية الفكرية والخطابية كانت، في كثير من الحالات الموثقة، للخطاب العقدي والدعوي والفقهي المباشر، أو للدفاع المستمر عن صحة الموقف الفكري والعقدي الأصلي، أو لإثبات البراءة الشخصية من التهم الموجهة، أو لمجرد توثيق المظلومية الواقعة دون تحليلها بنيويا. ولذلك ظل السؤال السياسي التحليلي المتعلق ببنية السلطة والمؤسسة الأمنية أقل حضورا بكثير، في هذا النمط الغالب من الكتابة، من سؤال الاعتقاد الشخصي والموقف الفكري والظلم المباشر الذي تعرض له الفرد بعينه.

وثالثها أن تجربة الاعتقال السلفي المغربي، خصوصا في مرحلة ما بعد 2003 التي تناولتها الدراسة بالتفصيل ، ظلت محكومة بحساسية بالغة الشدة مرتبطة مباشرة بملفات الإرهاب والأمن والعنف السياسي الحاد. وهذا السياق الضاغط جعل كثيرا من المعتقلين ينشغلون، في المقام الأول وقبل أي شيء آخر، بإعادة بناء روايتهم الخاصة أمام المجتمع المتشكك من نحن فعليا؟ لماذا اعتقلنا تحديدا؟ هل كنا فعلا كما صورتنا الدولة إعلاميا؟ هل كانت المحاكمات التي خضعنا لها عادلة فعليا؟ هل تعرضنا حقا للتعذيب الموثق؟ ما حقيقة ما وقع لنا بالضبط؟ وفي مثل هذه الظروف الدفاعية الضاغطة، يصبح الدفاع المباشر عن الذات خطوة سابقة منطقا وزمنيا على أي نقد تحليلي لاحق للبنية المؤسسية التي أنتجت الاعتقال أصلا.

وهنا تظهر مفارقة تحليلية بالغة الأهمية تستحق التأمل لكي ينتقل الكاتب السلفي فعليا من نمط كتابة المظلومية المحضة إلى نمط كتابة السلطة التحليلي الأعمق، يحتاج أولا، وقبل أي شيء آخر، إلى أن يتحرر نسبيا من الضرورة الملحة لإثبات مظلوميته الشخصية في كل صفحة يكتبها. فالدفاع عن الذات الفردية مفهوم تماما ومشروع أخلاقيا بلا أدنى شك، لكنه إذا أصبح، بحكم الضغط الاجتماعي والسياسي المحيط، الوظيفة الوحيدة والحصرية للذاكرة المكتوبة، فإنه يحبس النص بأكمله داخل حدود ضمير الأنا الفردي المحض دون أن يتجاوزها أبدا. أما حين يصبح إثبات المظلومية الأولية نقطة بداية منهجية للنص لا نقطة نهاية حصرية له، يستطيع المعتقل حينئذ أن ينتقل تحليليا إلى أسئلة أوسع بكثير وأكثر طموحا كيف تشكلت السياسات الأمنية التي طالته تحديدا؟ كيف تعامل المجتمع بأسره مع ملف المعتقلين عموما؟ كيف اشتغلت آلية المحاكمات من الناحية الإجرائية؟ ماذا حدث فعليا داخل السجون على المستوى المؤسسي؟ كيف أثرت هذه التجربة الطويلة في بنية الأسرة المغربية عموما؟ كيف تعاملت المؤسسات الرسمية مع ملف ما بعد الإفراج تحديدا؟ وما الذي تكشفه هذه التجربة الفردية، في نهاية المطاف، عن حقيقة المغرب في تلك المرحلة التاريخية بالذات؟

ومن هنا ينبغي التنبيه بحذر منهجي شديد إلى ضرورة تجنب اختزال الفرق الموصوف بين التجربتين في ثنائية جامدة ومبسطة تقول ببساطة مخلة إن اليساري (سياسي بطبعه) بينما السلفي (شخصي بطبعه). فالواقع التجريبي الموثق، عند فحصه بدقة أكبر، أكثر تعقيدا بكثير من هذه الثنائية المبسطة. فقد كتب فعليا إسلاميون نصوصا تجاوزت حدود الذات الفردية الضيقة بنجاح ملحوظ، كما أن بعض الكتابات اليسارية المتاحة ظلت، في المقابل، شديدة الانغلاق داخل التجربة الفردية المحضة دون تجاوزها تحليليا. كما أن التحولات المتعددة التي عرفتها الحركات الإسلامية المغربية بعد تجربة السجن أنتجت مسارات فردية متباينة تماما فيما بينها: فمن المعتقلين السابقين من اتجه فعليا إلى العمل الحقوقي المنظم، ومنهم من انخرط بعمق في النقاش الفكري العام، ومنهم من أعاد بناء علاقته الشخصية بالدين والسياسة معا من موقع نقدي جديد، ومنهم أخيرا من انسحب كليا من المجال العام ولم يعد إليه. ولذلك فإن المسألة برمتها ليست خاصية جوهرية ثابتة متأصلة في هوية (اليساري) أو (السلفي) كفئتين متجانستين داخليا، وإنما هي نتيجة مركبة لتفاعل معقد بين الثقافة السياسية السائدة، والتجربة التنظيمية الخاصة بكل فرد، والمرحلة التاريخية المحددة التي عاش فيها، وأسلوبه الشخصي في فهم الذات والسلطة معا.

ومع ذلك كله، فإن غلبة الشهادة الشخصية الملحوظة على الكتابة التحليلية داخل التجربة السلفية المغربية تظل، رغم كل هذه التحفظات المنهجية الضرورية، ظاهرة جديرة فعليا بالدراسة المعمقة والمتأنية. فهي تعني، في جوهرها التحليلي، أن جزءا كبيرا نسبيا من الذاكرة السلفية المغربية ما يزال، حتى اللحظة الراهنة، في مرحلة أولية من جمع الشهادات الفردية واستعادة الجرح الشخصي، ولم ينتقل بعد، بصورة واسعة ومتراكمة، إلى مرحلة أكثر نضجا من بناء الذاكرة التاريخية الجماعية المنظمة. وهذا الانتقال المنهجي من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي ضروري موضوعيا لأن الذاكرة الفردية، مهما بلغت من الصدق الشخصي والغنى التفصيلي، تبقى بحكم طبيعتها محدودة بزاوية النظر الخاصة بصاحبها وحده، بينما تحتاج الذاكرة الجماعية الحقيقية، بالمقابل، إلى عملية منهجية لتجميع شهادات متعددة ومقارنتها النقدية فيما بينها وربطها المنهجي بالوثائق الرسمية والسياقات التاريخية والمؤسسات المعنية.

وهنا بالتحديد تكمن القيمة الحقيقية للمشروع البحثي الذي يمكن أن تنهض به شهادات المعتقلين الإسلاميين المغاربة اليوم، إذا ما توفرت لها الشروط الملائمة للظهور. فالمطلوب فعليا، من هذا المنظور البحثي المتواضع، ليس إلغاء لغة الألم الشخصي الصادقة بأي حال، ولا تحويل المعتقل السابق قسرا إلى باحث أكاديمي محترف بمعايير صارمة لا تناسب طبيعة شهادته، ولا مطالبة كل شاهد بأن يقدم بالضرورة نظرية متكاملة في الدولة والسلطة. المطلوب، بدقة أكبر، هو أن تستكمل الشهادة الفردية الأصيلة بأسئلة تحليلية إضافية جديدة تفتحها على سياقها الأوسع. أن يسأل المعتقل، إلى جانب ما تعرض له شخصيا من ألم موثق: من اعتقلك بالضبط ومن أي جهة؟ كيف تمت عملية الاعتقال إجرائيا؟ أين احتجزت بالتحديد؟ من حقق معك ووفق أي أسلوب؟ ما طبيعة المكان الذي احتجزت فيه؟ كيف كانت الإجراءات القانونية المتبعة معك بالتفصيل؟ ماذا حدث فعليا أمام هيئة القضاء في محاكمتك؟ كيف تعاملت المؤسسات الرسمية المختلفة مع قضيتك الخاصة بعد ذلك؟ ماذا وقع فعليا في حياتك بعد الإفراج النهائي عنك؟ ماذا تغير جذريا في حياتك الشخصية والأسرية نتيجة هذه التجربة؟ وكيف تنظر اليوم، من موقعك الحالي، إلى تلك المرحلة التاريخية التي عشتها؟ .

بهذا المعنى الموسع تصبح الشهادة الفردية الواحدة مادة أولية خصبة لكتابة تاريخ اجتماعي وسياسي شامل للسجن المغربي بمختلف تجاربه. فكل معتقل سابق، بحكم موقعه الفردي المحدود، يمتلك جزءا واحدا فقط من الصورة الكلية المعقدة، لكن لا أحد بمفرده يمتلك هذه الصورة كاملة بجميع تفاصيلها. ولذلك فإن جمع شهادات متعددة فعليا من أماكن اعتقال مختلفة، ومن أزمنة تاريخية متباينة، ومن مستويات اجتماعية وفكرية متنوعة، يمكن أن يسمح فعليًا، إذا ما تحقق منهجيًا، بإعادة بناء خريطة شاملة للذاكرة السجنية المغربية بطريقة أكثر تركيبا وعمقا بكثير من مجرد تراكم سرديات المظلومية الفردية المتفرقة وغير المترابطة فيما بينها.

كما أن هذا التحول المنهجي المقترح يسمح، في الوقت نفسه، بإعادة تعريف العلاقة القائمة بين أدب السجون بمعناه الواسع وبين مسار العدالة الانتقالية المؤسساتي. فالشهادة، من هذا المنظور المتجدد، ليست فقط استعادة سردية للماضي البعيد كما قد يظن للوهلة الأولى، وإنما يمكن أن تكون أيضا، بالقدر نفسه من الأهمية، أداة تحليلية فعالة لفهم آثار الانتهاك المستمرة في الحاضر المعاش. فالمعتقل الذي خرج فعليا من السجن بجسده لكنه فقد وظيفته المهنية نتيجة وصمة الاعتقال، أو ظل يحمل وصمة اجتماعية مستمرة تلاحقه في محيطه، أو عجز فعليا عن إعادة بناء حياته الأسرية والمهنية بشكل مستقر، لا يقدم بشهادته هذه مجرد قصة شخصية معزولة فحسب، وإنما يقدم، في الوقت نفسه، مؤشرا تحليليا مهما على أن العقوبة القانونية الرسمية قد تنتهي زمنيا بينما تستمر آثارها الاجتماعية والنفسية الفعلية لسنوات طويلة تالية. وهنا تحديدا يصبح أدب السجون بمعناه الأوسع جسرا تحليليا حقيقيا يربط بين الماضي والحاضر معا، وبين تجربة الاعتقال ومسار إعادة الإدماج الاجتماعي، وبين الذاكرة الفردية ومسار جبر الضرر المؤسسي الجماعي.

يمكن القول، بثقة منهجية معقولة، إن اليسار المغربي استفاد، بدرجة أكبر نسبيا من نظيره الإسلامي، من عملية تحويل تجربة السجن الفردية إلى قضية عامة تهم المجتمع بأسره. فقد نجح فعليا، عبر تراكم طويل من العمل الثقافي والحقوقي المنظم، في نقل تجربته من مجرد مستوى (المعتقل الفردي الذي عانى شخصيا) إلى مستوى أوسع بكثير هو (المجتمع بأسره الذي ينبغي عليه أن يعرف بالتفصيل ماذا حدث فعليا). أما الذاكرة السلفية، في المقابل، فما تزال، حتى اللحظة الراهنة، في حاجة ماسة إلى هذا الانتقال النوعي نفسه. وهي ليست بحاجة، في هذا الانتقال المنشود، إلى أن تقلد اليسار حرفيا في لغته التحليلية أو مفرداته الأيديولوجية الخاصة، وإنما هي بحاجة، بدقة أكبر، إلى أن تنتج لغتها التحليلية الخاصة والأصيلة في مساءلة السلطة والتاريخ من موقعها الفكري والديني المتمايز.

وهذا أمر بالغ الأهمية منهجيا لأن الذاكرة التي لا تسأل، في نهاية المطاف، إلا عن صاحبها الفردي المحض تظل معرضة موضوعيا لأن تبقى محاصرة داخل حدود جماعتها الضيقة وحدها دون أن تتجاوزها. أما الذاكرة التي تفتح تجربتها الخاصة، بشجاعة تحليلية، على أسئلة المجتمع والدولة والإنسان بمعناه الكوني الأوسع، فإنها تصبح، بحكم هذا الانفتاح نفسه، قابلة فعليا لأن يتلقاها الآخرون المختلفون عنها أيضا دون تحفظ مسبق. فحين يقول المعتقل السلفي، ببساطة الشهادة المباشرة، (لقد عذبت)، فإن القارئ الذي لا ينتمي أصلا إلى تجربته الفكرية أو الدينية قد يتعاطف معه إنسانيا أو قد يختلف معه فكريا، لكن الأثر يبقى محدودا نسبيا. أما حين يقول، بطموح تحليلي أوسع (تكشف تجربتي الفردية بوضوح كيف يمكن أن يتحول مجرد الاشتباه الأمني إلى اعتقال فعلي موثق، وكيف تتغير حياة الأسرة بأكملها بسبب اعتقال فرد واحد منها، وكيف يستمر أثر العقوبة النفسي والاجتماعي حتى بعد انتهائها القانوني الرسمي)، فإنه بذلك يحول تجربته الفردية المحضة إلى سؤال تحليلي يهم المجتمع بأسره، بصرف النظر عن موقف كل فرد من الاتهام الأصلي.

وهنا بالضبط، عند هذه النقطة التحليلية الدقيقة، يتحول المعتقل من مجرد صاحب قضية خاصة ضيقة إلى شاهد عام على مرحلة تاريخية بأكملها تتجاوزه شخصيا. إن التحدي الحقيقي الماثل أمام الكتابة السلفية المغربية عن تجربة السجن اليوم ليس، كما قد يظن سطحيا، إنتاج مزيد من النصوص التي تكرر بأشكال مختلفة ما قيل سابقا عن التعذيب والاعتقال دون إضافة تحليلية جديدة، وإنما هو، بدقة أكبر، إنتاج نصوص قادرة فعليا على أن تحفظ بأمانة تفاصيل الألم الشخصي الموثق وفي الوقت نفسه، وبالقدر التحليلي نفسه من الجدية، تفكك بعمق الشروط البنيوية التي أنتجت هذا الألم أصلا. المطلوب، منهجيا، أن تنتقل الكتابة تدريجيا من ضمير (الأنا) الفردي المحض إلى ضمير (نحن) الجماعي الأوسع، ومن سؤال (ماذا حدث لي أنا شخصيا؟) الضيق إلى سؤال (ماذا حدث لنا جميعا كمجتمع؟) الأشمل، ومن سؤال «من ظلمني أنا بالتحديد؟» الفردي إلى سؤال «كيف اشتغلت فعليًا الآلية البنيوية التي أنتجت هذا الظلم أصلا.

إن الأمر يتعلق، في نهاية هذا التحليل المطول، بوظيفة الذاكرة ذاتها من منظور فلسفي أعمق. فالذاكرة، من هذا المنظور، ليست مجرد مستودع سلبي يخزن الألم دون فعل تحليلي إضافي، وإنما يمكنها أن تكون، إذا ما أحسن توظيفها منهجيا، أداة معرفية فعالة يعرف بها المجتمع نفسه بنفسه بشكل أعمق. وإذا بقيت ذاكرة المعتقلين الإسلاميين، بشكل عام، محصورة داخل حدود الجرح الشخصي الضيق فقط، فإنها ستظل مهمة بلا شك من الناحية الإنسانية والأخلاقية المحضة، لكنها ستبقى، في الوقت نفسه، محدودة الأثر نسبيا من الناحية التاريخية والمعرفية الجماعية الأوسع. أما إذا استطاعت هذه الذاكرة، عبر مسار تراكمي طويل، أن تجمع بنجاح بين حرارة الشهادة الشخصية الصادقة وصرامة السؤال التحليلي العميق، وبين استعادة الجرح الفردي الموثق وتحليل بنية السلطة الأوسع، فإنها تستطيع حينئذ أن تتحول فعليًا إلى أحد المصادر المرجعية المهمة لإعادة كتابة تاريخ الاعتقال السياسي المغربي بأكمله من زاوية نظر ظلت طويلًا أقل حضورًا بكثير في السردية الوطنية الرسمية المتداولة.

ولذلك فإن المطلوب، في نهاية المطاف، ليس أن يتوقف الكاتب السلفي عن الحديث عن ذاته الفردية بأي حال من الأحوال، بل أن يبدأ فعليًا من هذه الذات الفردية دون أن ينتهي عندها حصرًا. فضمير «الأنا» الفردي هو المدخل الطبيعي والمشروع تمامًا لكل شهادة إنسانية أصيلة، لكنه لا ينبغي منهجيًا أن يشكل حدودها النهائية القصوى التي لا تُتجاوز أبدا. يبدأ الكاتب سرديًا من جسده المتألم الموثق، لكنه يستطيع تحليليا، إذا ما امتلك الأدوات المناسبة، أن يصل فع

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك