مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة1)

مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة1)
تقارير / الجمعة 14 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

ملخص

تسعى هذه الدراسة إلى معالجة سؤال أقل حضورا في أدبيات الحركات الإسلامية مقارنة بأسئلة الصعود والتنظيم: ماذا يحدث للفرد الإسلامي حين يتراجع المشروع الحركي الذي انتمى إليه أو ينهار؟ تنطلق الدراسة من فرضية أن الخروج من التنظيم الإسلامي ليس مسارا واحدا، بل حزمة من المسارات المتمايزة بحسب موقف الفرد من التنظيم الأم (عدائي، محايد، ودي) والوجهة التي يختارها بعد الخروج (تنظيم بديل، إنتاج فكري، عمل مدني، تدين فردي، انسحاب كامل، تشدد مضاد، أو قطيعة مرجعية). وتختبر الدراسة هذا التصنيف على ثلاث حالات عربية متباينة المسار في فصول مستقلة: مصر، حيث مرت جماعة الإخوان المسلمين بصدمة انقلاب 2013 وموجة انفكاك واسعة وموثقة أكاديميا وحزب العدالة والتنمية المغربي، الذي عرف موجتي استقالة متمايزتين -واحدة سابقة على أزمة التطبيع مع إسرائيل (2020-2021) وأخرى لاحقة على الهزيمة الانتخابية (2021)- بما يؤكد تعدد أسباب الخروج داخل التنظيم الواحد وجماعة العدل والإحسان الدعوية غير المرخصة، التي عرفت بعد وفاة مؤسسها عبد السلام ياسين سنة 2012 أنماطا متمايزة من الانسحاب بعضها بدافع طول انتظار (المشروع) التأسيسي غير المتحقق، وبعضها بدافع خلافات قيادية داخلية، وبعضها بدافع اتهام القيادة الحالية بالانحراف عن نهج المؤسس الشرعي والعقدي. تخلص الدراسة إلى أن نمط الخروج الفردي يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة أزمة التنظيم الأم وبتعدد مصادرها داخل التنظيم الواحد، وأن التصنيف المقترح يمكن أن يشكل أداة تحليلية قابلة للتعميم على سياقات إسلامية أخرى.

الكلمات المفتاحية: ما بعد الإسلاموية، الانفكاك التنظيمي، الإخوان المسلمون، حزب العدالة والتنمية، جماعة العدل والإحسان، آصف بايات، الأفراد ما بعد الحركيين. 

المقدمة والاشكالية 

حظي مفهوم(ما بعد الإسلاموية) منذ صياغة آصف بايات له في التسعينيات باهتمام أكاديمي واسع، لكن هذا الاهتمام تركز في الغالب على المستوى الكلي: تحول الخطاب الحركي، تغير موقف التنظيمات من الدولة والديمقراطية، أو تراجع المشروع السياسي للإسلام السياسي في بلد بعينه. وقد عرف بايات ما بعد الإسلاموية بوصفها حالة تعكس نضوب جاذبية الإسلاموية من جهة، ومشروعا واعيا لتجاوزها من جهة أخرى، مركزا على إعادة صياغة الخطاب الإسلامي باتجاه رؤى أكثر شمولية وانفتاحا.

غير أن هذا المستوى الكلي يترك سؤالا أساسيا معلقا ماذا يحدث للفرد الذي بنى هويته وشبكة علاقاته وأفقه المعنوي داخل التنظيم، حين يتراجع هذا التنظيم أو ينهار؟ هذا السؤال يقع عند تقاطع حقلين بحثيين لم يتحاورا كثيرا فيما بينهما حقل دراسات ما بعد الإسلاموية الذي يهتم بالحركة والخطاب، وحقل دراسات (الانفكاك) (Disengagement) الذي طوره باحثون مثل جون هورغان وجوليا تشيرنوف هوانغ أساسا لفهم خروج الأفراد من التنظيمات المسلحة والراديكالية، ثم امتد لاحقا ليشمل التنظيمات الإسلامية غير العنيفة.

تقترح هذه الدراسة الجمع بين الحقلين عبر بناء تصنيف لمسارات الفرد الإسلامي بعد خروجه من التنظيم أو تراجع التزامه به، واختبار هذا التصنيف على حالتين عربيتين: مصر والمغرب. اختيار الحالتين ليس اعتباطيا فهما تمثلان نمطين مختلفين لأزمة التنظيم الأم أزمة قمعية-وجودية حادة في الحالة المصرية بعد انقلاب 2013، وأزمة انتخابية-تدبيرية تراكمية في الحالة المغربية بعد الهزيمة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية سنة 2021.وجماعة العدل والاحسان بعد وفاة مؤسسها عبد السلام ياسين هذا التباين يتيح اختبار الفرضية القائلة إن نمط أزمة التنظيم يشكل نمط خروج الأفراد منه. 

الاطار النظري والمفاهيمي

ما بعد الإسلاموية كمفهوم من بايات إلى المستوى الفردي

صاغ آصف بايات مفهوم (ما بعد الإسلاموية) أول مرة في مقالته (نشوء مجتمع ما بعد الإسلاموية) سنة ١٩٩٦ لوصف التحولات في التجربة الإسلامية الإيرانية، قبل أن يوسعه في كتابه (دمقرطة الإسلام: الحركات الاجتماعية والتحول ما بعد الإسلامي) (2007)، ثم في كتابه الجماعي (ما بعد الإسلاموية: الوجوه المتغيرة للإسلام السياسي) (2013) الذي جمع دراسات حالة من عشر دول تمتد من إندونيسيا إلى المغرب. الفكرة المحورية عند بايات هي أن ما بعد الإسلاموية ليست نهاية تاريخية للإسلاموية، بل ميلادا لخطاب وسياسة مختلفين نوعيا، ينبثقان من نقد داخلي للتجربة الإسلاموية ذاتها.

هذا التأطير مفيد لكنه يبقى تأطيرا بنيويا-حركيا بالأساس فهو يفسر لماذا تتحول الحركات، لا كيف يعيد الأفراد المنفردون بناء ذواتهم بعد هذا التحول أو بعد فشله. الفجوة هنا هي بالضبط ما تحاول هذه الدراسة سده نقل وحدة التحليل من الحركة إلى الفرد، مع الاحتفاظ بالسياق البنيوي الذي صاغه بايات كخلفية تفسيرية.

أدبيات الانفكاك التنظيمي

يميز جون هورغان، أحد أبرز الباحثين في سيكولوجيا الانفكاك عن التنظيمات الراديكالية، بين ثلاث مراحل متمايزة في مسار الفرد مع أي تنظيم: الدخول ، والانخراط الفعلي والانفكاك الذي قد يفضي أو لا يفضي إلى نزع راديكالية فكري كامل. والأهم لغرض هذه الدراسة هو تمييزه بين الانفكاك النفسي (الانفصال الداخلي القيمي والعاطفي عن الجماعة) والانفكاك الفعلي (الخروج التنظيمي الفعلي)، إذ قد يحدث أحدهما دون الآخر أو يسبقه بفترة طويلة.

من جهتها، طورت جوليا تشيرنوف هوانغ في دراستها للجهاديين الإندونيسيين المنفكين تصنيفا للعوامل الدافعة للخروج يشمل: خيبة الأمل التراكمية إزاء أساليب التنظيم وقياداته وأهدافه، وحساب الكلفة والعائد حين تتغير السياقات، وتحول الأولويات الشخصية نحو الأسرة والتعليم والعمل، وتوفر شبكة اجتماعية بديلة من أصدقاء وموجهين وأفراد أسرة داعمين. وتشدد على أن هذه الشبكة البديلة هي حجر الأساس لأي إعادة اندماج ناجحة بعد الخروج، وأن غيابها يرفع احتمال العودة إلى العنف أو الانعزال.

هذان الإطاران -تمييز هورغان بين الانفكاك النفسي والفعلي، وتصنيف تشيرنوف هوانغ للعوامل الدافعة- طورا أساسا لدراسة تنظيمات عنيفة أو شبه عنيفة، لكن قابليتهما للتطبيق على تنظيمات الإسلام السياسي غير العنيفة (كجماعة الإخوان المسلمين أو حزب العدالة والتنمية) واردة بقوة، لأن آليات الانتماء والهوية الجمعية التي يصفانها -التربية، الولاء، الشبكة الاجتماعية المغلقة- هي نفسها الآليات التي توثقها دراسات الإخوان المسلمين تحديدا، كما سيرد لاحقا.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك