بقلم:لملس ياسين
أبرز فرق، في تقديري، هو أن ملف اليسار كان يمتلك شروطًا سياسية وحقوقية وتنظيمية جعلت إدماجه في مسار العدالة الانتقالية أكثر قابلية للتحقق.
أولًا: السياق السياسي مختلف.
انتهاكات اليسار وقعت أساسًا في سياق سياسي مرتبط بالصراع بين الدولة والمعارضة خلال عهد الحسن الثاني، وكان اليسار آنذاك جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي المغربي، وله أحزاب ونقابات وشخصيات سياسية وفكرية وإعلامية معروفة، فضلًا عن امتداد علاقاته إلى قوى سياسية وحقوقية خارج المغرب. لذلك لم يكن الملف مجرد قضية معتقلين، وإنما أصبح جزءًا من سؤال سياسي وحقوقي أوسع حول علاقة الدولة بالمعارضة.
ثانيًا: كان هناك فاعل سياسي يمكن التفاوض معه.
هذه نقطة جوهرية في المقارنة. فقد كان لليسار، رغم اختلافاته الداخلية، قيادات وأطر سياسية معروفة وقادرة على التفاوض والتواصل مع الدولة، مثل عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي الفقيه البصري نوبير الأموي وغيرهم. وبالتالي كان هناك طرف سياسي يمكن أن يدخل في تسوية تاريخية مع الدولة.
أما في ملف المعتقلين السياسيين،فلم تكن هناك قيادة سياسية موحدة تمثل جميع المعتقلين أو التيارات التي ينتمون إليها، ولم يكن هناك اتفاق فكري أو تنظيمي جامع بينهم. وهذا جعل بناء ملف سياسي موحد ومطلب حقوقي موحد أكثر صعوبة.
ثالثًا: اختلاف النظرة الرسمية إلى طبيعة الملف.
الدولة تعاملت مع جزء كبير من ملف اليسار باعتباره مرتبطًا بالصراع السياسي والانتهاكات التي عرفتها سنوات الرصاص، بينما ظل ملف المعتقلين الإسلاميين مرتبطًا، في التصور الرسمي، بأحكام قضائية وملفات جنائية وأمنية، حتى مع الإقرار بوجود خروقات في بعض الحالات.
وهنا تظهر أهمية تصريح الملك محمد السادس لجريدة إلباييس حول وجود خروقات في بعض ملفات معتقلي 16 ماي؛ فالإقرار بوقوع خروقات لا يعني بالضرورة أن الدولة تبنت تصورًا يعتبر جميع المعتقلين ضحايا سياسيين بالمعنى نفسه الذي أصبح حاضرًا في معالجة ملف سنوات الرصاص.
رابعًا: وجود إرادة سياسية ومؤسساتية للعدالة الانتقالية.
إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 كان تعبيرًا عن إرادة رسمية لفتح صفحة جديدة مع ماضي الانتهاكات. لكن هذه الآلية جاءت أيضًا نتيجة تراكم طويل من النضال السياسي والحقوقي، وضغط عائلات الضحايا والمنظمات الحقوقية، وتحولات داخل الدولة والمجتمع.
أما ملف المعتقلين الإسلاميين فقد اختارت الدولة له مسارًا مختلفًا، من أبرز تجلياته برنامج "مصالحة"، الذي ركز على مراجعة الأفكار وإعادة الإدماج والإفراج المشروط أو العفو في بعض الحالات، بدل إنشاء آلية شبيهة بهيئة الإنصاف والمصالحة تعيد النظر في الملف من زاوية العدالة الانتقالية.
لكن هناك نقطة تحتاج إلى تدقيق
لا أعتقد أن الفرق يمكن تفسيره فقط بـ "وجود إرادة لدى الدولة في ملف اليسار وغيابها في ملف المعتقلين الإسلاميين ".
الأدق هو القول إن الإرادة السياسية كانت موجودة، لكن طبيعة كل ملف وشروطه السياسية والتنظيمية والحقوقية كانت مختلفة.
فاليسار كان يستطيع أن يقول: نحن معارضة سياسية تعرضت للقمع بسبب مواقفها وأفكارها.
بينما ملف المعتقلين الإسلاميين أكثر تعقيدًا، لأنه يجمع بين الحق في المحاكمة العادلة، ادعاءات التعذيب والخروقات، مسؤولية الدولة عن الانتهاكات، وبين وجود أفعال عنيفة وإدانة قضائية لبعض المتابعين. لذلك فإن المطالبة بمقاربة حقوقية للملف لا تعني بالضرورة نفي المسؤولية الجنائية عمن ثبت تورطه في بعض الملفات
والخلاصة الأهم:
الفرق بين الملفين ليس في كون أحدهما حقوقيًا والآخر غير حقوقي، وإنما في اختلاف السياق السياسي، وطبيعة الفاعلين، ودرجة التنظيم، ووجود قيادة تفاوضية، وحجم الضغط الحقوقي والسياسي الداخلي والخارجي، ثم اختلاف الإرادة والمؤسسات التي اختارت الدولة من خلالها معالجة كل ملف.
ولهذا يمكن القول إن هيئة الإنصاف والمصالحة مثلت تسوية تاريخية بين الدولة ومعارضيها السياسيين، بينما ظل ملف المعتقلين الإسلاميين ،أقرب إلى مقاربة أمنية وقضائية، ثم أضيفت إليها لاحقًا مقاربة فكرية وإدماجية عبر برنامج مصالحة.
وهذا لا يمنع، من منظور حقوقي، من طرح سؤال مشروع جدًا: إذا كانت الدولة أقرت بوجود خروقات في بعض ملفات 16 ماي، فلماذا لم يتحول هذا الإقرار إلى مسار شامل للإنصاف وجبر الضرر .
وهذا في رأيي هو السؤال الأقوى في المقارنة، بدل وضع الملفين في كفة واحدة من حيث المسؤولية أو طبيعة الأفعال. عن ملف المعتقلين
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك