الفقر يهدد العالم من جديد أكثر من 800 مليون إنسان في مواجهة العوز والتفاوت الاجتماعي

الفقر يهدد العالم من جديد أكثر من 800 مليون إنسان في مواجهة العوز والتفاوت الاجتماعي
تقارير / الأحد 09 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م

لا يزال الفقر أحد أكبر التحديات الاجتماعية التي تواجه العالم، رغم التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الكبير الذي شهدته البشرية خلال العقود الماضية. فبينما تتوسع الثروات وتتطور الاقتصادات وتظهر فرص جديدة للعمل والاستثمار، ما زال مئات الملايين من الأشخاص يعيشون في ظروف قاسية، ويواجهون صعوبات يومية في الحصول على الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والعمل اللائق.

وتزداد خطورة الوضع مع ارتفاع تكاليف المعيشة في عدد كبير من البلدان، وتراجع القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل، واستمرار البطالة والعمل غير المستقر. وبالنسبة لملايين الأسر، لم يعد الفقر مرتبطاً فقط بانعدام الدخل، وإنما أصبح يعني أيضاً صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية والعيش في ظروف تضمن الكرامة الإنسانية.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن أكثر من 800 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع وفق خط الفقر الدولي المحدث، في وقت ما زالت فيه مناطق واسعة من إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا تواجه مستويات مرتفعة من الفقر والحرمان. وتتركز نسبة كبيرة من الفئات الأكثر فقراً في البلدان التي تعاني من النزاعات وضعف المؤسسات والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية.

ولا يظهر الفقر دائماً في صورة شخص لا يملك المال أو الطعام، بل يمكن أن يظهر في صورة طفل يترك المدرسة لمساعدة أسرته، أو أم عاجزة عن توفير العلاج لأحد أبنائها، أو شاب يعمل ساعات طويلة مقابل دخل لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، أو أسرة تعيش في مسكن يفتقر إلى الماء الصالح للشرب والصرف الصحي والكهرباء.

ويشكل الأطفال إحدى أكثر الفئات تضرراً من الفقر، لأن آثار الحرمان خلال سنوات الطفولة يمكن أن تمتد إلى بقية حياة الإنسان. فالطفل الذي ينشأ في أسرة فقيرة قد يواجه سوء التغذية، وضعف الرعاية الصحية، وصعوبة الوصول إلى التعليم الجيد، ومخاطر أكبر للانقطاع عن الدراسة والدخول المبكر إلى سوق العمل.

وفي عدد من المجتمعات، لا يستطيع الفقر أن يترك الأطفال يعيشون طفولتهم بشكل طبيعي. فبدلاً من الدراسة واللعب والتكوين، يجد بعضهم أنفسهم أمام مسؤوليات اقتصادية وأسرية تفوق أعمارهم، سواء من خلال العمل أو رعاية أفراد الأسرة أو البحث عن مصادر دخل تساعد في مواجهة تكاليف الحياة.

كما أن الفقر يرتبط بشكل مباشر بالتفاوت في فرص التعليم. فالتعليم، الذي يفترض أن يكون وسيلة للخروج من دائرة الفقر، قد يتحول في بعض البيئات إلى عامل يعكس الفوارق الاجتماعية عندما تختلف جودة المدارس والخدمات التعليمية بشكل كبير بين المناطق والفئات الاجتماعية.

ويواجه أبناء الأسر محدودة الدخل تحديات إضافية، من بينها تكاليف النقل والكتب والمستلزمات الدراسية والإنترنت، فضلاً عن الحاجة إلى العمل لمساعدة الأسرة. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تراجع التحصيل الدراسي أو الانقطاع النهائي عن التعليم.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ينتقل الفقر من جيل إلى آخر. فالأسرة التي تعاني من ضعف الدخل قد لا تستطيع توفير تعليم جيد لأطفالها، وهؤلاء الأطفال عندما يكبرون يدخلون سوق العمل بمؤهلات محدودة، فيحصلون غالباً على وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة، ثم يجدون أنفسهم أمام صعوبات مشابهة في إعالة أسرهم.

وفي سوق العمل، لا يرتبط الفقر دائماً بالبطالة. فهناك ملايين الأشخاص الذين يعملون، لكن دخولهم لا تكفي لتأمين حياة كريمة. ويعرف هذا الوضع بالفقر رغم العمل، حيث يضطر العامل إلى قبول ساعات طويلة أو وظائف مؤقتة أو غير رسمية من دون ضمانات اجتماعية كافية.

وقد أدت التحولات الاقتصادية والتكنولوجية إلى تغيير طبيعة سوق العمل في العالم. فبعض الوظائف التقليدية اختفت أو تراجعت، بينما ظهرت وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة. وفي البلدان التي لا تستطيع أنظمة التعليم والتكوين مواكبة هذه التحولات، يجد عدد كبير من الشباب أنفسهم خارج سوق العمل أو محصورين في وظائف منخفضة القيمة.

ويشكل الشباب إحدى أكثر الفئات تأثراً بهذه التحولات. فالحصول على شهادة تعليمية لم يعد يضمن دائماً وظيفة مستقرة، كما أن ارتفاع المنافسة على فرص العمل يجعل الانتقال من الدراسة إلى الحياة المهنية أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الشباب.

وتظهر المشكلة بصورة أكبر في المناطق التي تعاني من ضعف الاستثمار وقلة المؤسسات الاقتصادية. ففي هذه المناطق قد يضطر الشباب إلى الهجرة الداخلية نحو المدن أو الهجرة إلى الخارج بحثاً عن العمل، بينما تظل الأسر التي خلفوها تواجه ظروفاً اقتصادية صعبة.

ولا يمكن فصل الفقر عن أزمة السكن. فارتفاع أسعار العقارات والإيجارات في العديد من المدن الكبرى جعل السكن اللائق بعيداً عن متناول شرائح واسعة من السكان. وتضطر الأسر محدودة الدخل إلى السكن في مناطق بعيدة عن مراكز العمل أو في مساكن صغيرة ومكتظة أو غير ملائمة.

وفي بعض المدن، أدى ارتفاع تكاليف السكن إلى ظهور أحياء هامشية تفتقر إلى الخدمات الأساسية. ويجد السكان أنفسهم أمام مشكلة مزدوجة تتمثل في ضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يجعل الخروج من دائرة الفقر أكثر صعوبة.

كما يمثل الحصول على الغذاء تحدياً متزايداً بالنسبة إلى الأسر الفقيرة. فارتفاع أسعار المواد الغذائية يؤثر بشكل مباشر على ميزانية الأسرة، وغالباً ما تكون الأسر محدودة الدخل هي الأكثر تأثراً، لأنها تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الاحتياجات الأساسية.

وعندما ترتفع أسعار الغذاء، تضطر بعض الأسر إلى تقليل كميات الطعام أو التخلي عن مواد غذائية أكثر تكلفة، وهو ما قد يؤثر على جودة النظام الغذائي، خصوصاً بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن.

وتظهر آثار الفقر كذلك في المجال الصحي. فالأسر التي لا تملك دخلاً كافياً قد تؤجل زيارة الطبيب أو شراء الأدوية أو إجراء الفحوصات بسبب تكلفتها. وقد يؤدي تأخر العلاج إلى تفاقم الأمراض وتحول مشكلات صحية بسيطة إلى حالات أكثر خطورة وأكثر تكلفة.

ويؤدي غياب الحماية الاجتماعية الكافية إلى مضاعفة هذه المخاطر. فعندما يفقد أحد أفراد الأسرة عمله أو يصاب بمرض أو يتعرض لحادث، يمكن أن تتحول الأسرة بسرعة من وضع اقتصادي هش إلى حالة فقر حاد.

ولهذا أصبحت برامج الدعم الاجتماعي والحماية من البطالة والمرض والعجز والشيخوخة جزءاً أساسياً من السياسات التي تعتمدها الدول لمواجهة الفقر. غير أن مستوى هذه الحماية يختلف بشكل كبير بين البلدان، كما أن ملايين الأشخاص حول العالم ما زالوا يعملون خارج أنظمة الحماية الاجتماعية الرسمية.

وتزيد الأزمات العالمية من هشاشة الفئات الفقيرة. فالحروب والنزاعات تؤدي إلى تدمير مصادر الدخل وتهجير السكان وتعطيل الخدمات الأساسية، بينما يمكن للكوارث الطبيعية أن تدمر المنازل والمزارع ووسائل العمل في فترة قصيرة.

أما تغير المناخ، فأصبح يمثل تحدياً إضافياً للفئات الأكثر فقراً. فالأسر التي تعتمد على الزراعة أو الموارد الطبيعية تكون أكثر عرضة للجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأراضي. وغالباً ما تملك هذه الأسر إمكانات محدودة للتكيف مع هذه التغيرات.

وفي المناطق الريفية، يمكن أن يؤدي تراجع الإنتاج الزراعي إلى ارتفاع الفقر والهجرة نحو المدن، كما يمكن أن يرفع أسعار الغذاء ويؤثر على الأمن الغذائي المحلي.

ولا تقتصر مشكلة التفاوت على الفوارق بين الدول، بل تظهر أيضاً داخل الدولة الواحدة. ففي المدن الكبرى يمكن أن يعيش أصحاب الثروات في مناطق تتمتع بخدمات عالية الجودة، بينما تعيش أسر فقيرة على مسافة قصيرة منها في أحياء تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

ويؤدي هذا التفاوت إلى شعور متزايد بعدم العدالة، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن الفرص الاقتصادية والتعليمية والصحية لا توزع بشكل متساوٍ، وأن النجاح أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة بالأسرة التي ولد فيها الشخص ومكان إقامته والموارد التي يستطيع الوصول إليها.

كما أصبح التفاوت في الثروة موضوعاً رئيسياً في النقاشات الاقتصادية والاجتماعية العالمية. فتركيز جزء كبير من الثروة في أيدي نسبة صغيرة من السكان يثير أسئلة حول توزيع ثمار النمو الاقتصادي، وحول مدى قدرة السياسات العامة على ضمان استفادة الفئات الأكثر فقراً من التنمية.

ولا يعني ذلك أن القضاء على الفقر يتطلب فقط إعادة توزيع الأموال، بل يحتاج أيضاً إلى خلق فرص عمل منتجة، وتحسين التعليم، وتوفير الرعاية الصحية، ودعم المشاريع الصغيرة، وتطوير البنية التحتية، وضمان وصول الفئات الفقيرة إلى الخدمات المالية والتكنولوجية.

ويعتبر التعليم من أهم الأدوات التي يمكن أن تساعد على كسر دائرة الفقر. فكلما حصل الأطفال والشباب على تعليم جيد ومهارات مطلوبة في سوق العمل، زادت فرصهم في الحصول على وظائف أفضل وتحسين مستوى دخلهم.

لكن تحقيق ذلك يتطلب ألا يكون التعليم الجيد امتيازاً مرتبطاً بمستوى دخل الأسرة. فالفوارق الكبيرة في جودة التعليم بين المناطق والفئات يمكن أن تعيد إنتاج التفاوت بدلاً من أن تساعد على الحد منه.

كما يمثل توفير الرعاية الصحية الشاملة عنصراً أساسياً في مكافحة الفقر. فالمرض يمكن أن يدفع الأسرة إلى الفقر، والفقر بدوره يمكن أن يجعل الأسرة أكثر عرضة للمرض، لتتشكل حلقة يصعب كسرها دون تدخلات اجتماعية واقتصادية وصحية متكاملة.

ويظل توفير العمل اللائق من أهم التحديات أيضاً. فالوظيفة التي لا توفر دخلاً كافياً أو حماية اجتماعية أو ظروف عمل آمنة لا تستطيع وحدها أن تكون وسيلة فعالة للخروج من الفقر.

وفي كثير من البلدان، تلعب المشاريع الصغيرة والأعمال الحرة دوراً مهماً في توفير الدخل، لكنها تحتاج إلى التمويل والتكوين والأسواق والحماية القانونية حتى تتمكن من الاستمرار والنمو.

وتبرز كذلك أهمية السياسات التي تستهدف المناطق الأكثر فقراً، لأن التنمية الاقتصادية لا تصل دائماً بشكل تلقائي إلى جميع المناطق. وقد تحتاج المناطق الريفية والمهمشة إلى استثمارات خاصة في الطرق والماء والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية والإنترنت.

وفي العصر الرقمي، أصبح الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا جزءاً من فرص التعليم والعمل. ولذلك فإن الفجوة الرقمية يمكن أن تتحول بدورها إلى شكل جديد من أشكال عدم المساواة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والشباب الذين لا يستطيعون الوصول إلى أجهزة مناسبة أو اتصال جيد بالشبكة.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، تزداد المخاوف بشأن مستقبل بعض الوظائف التقليدية. ومن المتوقع أن تتغير طبيعة العديد من المهن، الأمر الذي يجعل الاستثمار في إعادة التدريب والتعليم المستمر ضرورياً حتى لا تتحول التحولات التكنولوجية إلى مصدر جديد للتهميش الاجتماعي.

الفقر، في النهاية، ليس مجرد رقم اقتصادي، بل واقع يومي يعيشه ملايين الأشخاص. إنه طفل ينام من دون وجبة كافية، وأب يبحث عن عمل، وأم تؤجل علاجها لتوفير احتياجات أبنائها، وشاب يحمل شهادة لكنه لا يجد فرصة، وأسرة تخشى أن يؤدي أي طارئ صحي أو اقتصادي إلى فقدان كل ما تملكه.

ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والنزاعات، يبقى القضاء على الفقر أحد أكبر الاختبارات أمام الحكومات والمجتمع الدولي. فالنمو الاقتصادي وحده لا يكفي إذا لم تصل ثماره إلى الفئات التي تحتاج إليها، والتنمية لا يمكن أن تكون مستدامة إذا تركت خلفها ملايين الأشخاص خارج دائرة الفرص.

إن مواجهة الفقر تتطلب بناء مجتمعات توفر التعليم الجيد والصحة والسكن والعمل والحماية الاجتماعية، وتضمن أن تكون الفرص متاحة للأفراد بغض النظر عن المكان الذي ولدوا فيه أو مستوى دخل أسرهم.

وفي عالم يمتلك موارد وثروات وقدرات تكنولوجية هائلة، تظل المفارقة الكبرى أن ملايين البشر ما زالوا عاجزين عن تأمين أبسط شروط الحياة. ولذلك فإن المعركة ضد الفقر ليست فقط معركة اقتصادية، وإنما قضية اجتماعية وإنسانية ترتبط بالكرامة والعدالة والمساواة ومستقبل الأجيال القادمة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك