أنتلجنسيا:أبو آلاء
بينما تواصل حكومة عزيز أخنوش تسويق أرقام النمو الاقتصادي باعتبارها دليلاً على نجاح سياساتها، جاءت معطيات البنك الدولي لتنسف هذه الرواية من أساسها، كاشفة أن المغرب يعيش مفارقة صادمة عنوانها اقتصاد يحقق نمواً متسارعاً على الورق، مقابل سوق شغل غارق في الأزمة وعشرات الآلاف من الأسر التي لا تلمس أي أثر لهذا النمو في حياتها اليومية.
التقرير الأخير للبنك الدولي لم يترك مجالاً كبيراً للتأويل، إذ أكد أن الاقتصاد المغربي سجل نمواً يقارب 4.9 في المائة خلال سنة 2026، مدعوماً بالإنفاق العمومي الضخم المرتبط بالتحضيرات لكأس العالم 2030 وبانتعاش النشاط الفلاحي. لكن خلف هذه الأرقام الوردية تختبئ حقيقة أكثر قتامة، تتمثل في عجز الاقتصاد عن تحويل النمو إلى فرص عمل حقيقية قادرة على امتصاص البطالة المتفاقمة وإنقاذ آلاف الشباب من دوامة الإقصاء والتهميش.
الأخطر في التقرير أن المؤسسة الدولية كشفت عن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي، بعدما بلغ معدل ضعف استغلال اليد العاملة 22.5 في المائة وفق المؤشر الأوسع، وهو رقم يعكس وجود ملايين الساعات الضائعة وكتلة بشرية ضخمة خارج الدورة الاقتصادية الفعلية. فالمشكل لم يعد يقتصر على العاطلين المسجلين في الإحصائيات الرسمية، بل يشمل أيضاً أشخاصاً فقدوا الثقة في سوق الشغل وآخرين يشتغلون في ظروف هشة ولساعات أقل من حاجياتهم الفعلية.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير أن نحو 884 ألف مغربي أصبحوا ضمن ما يسمى بـ"القوة العاملة المحتملة"، أي مواطنون يريدون العمل لكنهم توقفوا عن البحث عنه بعدما فقدوا الأمل في إيجاد فرصة حقيقية. وهذا الرقم وحده كافٍ لقياس حجم الإحباط الاجتماعي الذي راكمته سنوات من الوعود الحكومية دون نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ورغم أن الحكومة تواصل التباهي بانخفاض معدل البطالة الرسمي إلى 10.8 في المائة، فإن البنك الدولي يؤكد أن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة الكاملة. فعند احتساب العاملين بشكل ناقص والراغبين في العمل دون أن يجدوا فرصاً مناسبة، ترتفع النسبة بشكل كبير لتصل إلى 22.5 في المائة، ما يعني أن الأزمة الحقيقية أكبر بكثير مما تحاول الأرقام الرسمية إظهاره.
هذه المعطيات تطرح أسئلة ثقيلة حول حصيلة حكومة أخنوش التي قدمت نفسها منذ البداية كحكومة للكفاءات والنتائج. فبعد سنوات من الوعود بإحداث مليون منصب شغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز القدرة الشرائية، يجد المغاربة أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً: أسعار ملتهبة، بطالة مرتفعة، وفوارق اجتماعية تتسع بشكل غير مسبوق، بينما تستمر الحكومة في الاحتفاء بمؤشرات اقتصادية لا يشعر المواطن العادي بأي أثر لها.
ويبدو أن البنك الدولي وجه رسالة واضحة إلى صناع القرار في الرباط مفادها أن النمو الاقتصادي، مهما ارتفع، يبقى بلا قيمة اجتماعية إذا لم يتحول إلى وظائف وفرص حقيقية تحفظ كرامة المواطنين. فالأرقام الحالية تكشف أن جزءاً مهماً من الثروة التي يتم إنتاجها لا ينعكس على سوق الشغل بالوتيرة المطلوبة، ما يجعل النمو أشبه بواجهة براقة تخفي خلفها أزمة بنيوية عميقة.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، تتحول معضلة التشغيل إلى أحد أخطر الملفات التي تطارد حكومة أخنوش، بعدما أصبح من الصعب إقناع المغاربة بجدوى المؤشرات الاقتصادية في وقت تتزايد فيه أعداد الباحثين عن العمل وتتراجع الثقة في قدرة السياسات العمومية على توفير مستقبل أفضل. أما الخلاصة التي يفرضها تقرير البنك الدولي فهي أن المغرب لا يعاني من أزمة نمو، بل من أزمة توزيع لثمار هذا النمو، ومن فشل مستمر في تحويل الأرقام الاقتصادية إلى فرص حياة حقيقية للمواطنين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك