أنتلجنسيا:أبو فراس
أطلق والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري تحذيرات قوية بشأن مستقبل التوازنات المالية للمملكة، مؤكدا أن الضغوط المتزايدة على الميزانية العمومية باتت تفرض قرارات إصلاحية عاجلة لتفادي تعقيدات أكبر خلال السنوات المقبلة، في ظل ارتفاع النفقات الاجتماعية واستمرار تعثر إصلاح أنظمة التقاعد وتنامي المخاطر الاقتصادية الداخلية والخارجية.
وكشف الجواهري، ضمن تقرير بنك المغرب السنوي برسم سنة 2025، أن الالتزامات المالية المرتبطة بالدعم الاجتماعي المباشر وتعميم الحماية الاجتماعية وكتلة أجور الموظفين أصبحت تستنزف حيزا مهما من موارد الدولة، ما يضع الميزانية تحت ضغط متزايد يصعب تجاهله، خاصة مع استمرار تأجيل إصلاح أنظمة التقاعد التي تواجه بعض صناديقها اختلالات تهدد توازنها المالي.
وأوضح أن الوضع يزداد حساسية بالنظر إلى اقتراب نهاية العمل بآليات التمويل المبتكرة التي مكنت الدولة منذ سنة 2019 من تعبئة ما يقارب 150 مليار درهم، والتي ستتوقف ابتداء من سنة 2028، وهو ما يفرض البحث عن بدائل جديدة لضمان استدامة التمويل العمومي ومواصلة تنفيذ البرامج الاجتماعية الكبرى.
وفي الوقت نفسه، نبه والي بنك المغرب إلى أن الأداء الجيد للمداخيل الجبائية خلال السنوات الأخيرة لا يشكل ضمانة دائمة، إذ يبقى رهينا بتطور الظرفية الاقتصادية الوطنية والدولية، ما يستوجب التحلي بأقصى درجات الحذر في تدبير الموارد العمومية.
وشدد الجواهري على ضرورة تسريع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية، معتبرا أن تحديث القواعد الميزانياتية وتحديد شروط واضحة للتعامل مع الحالات الاستثنائية من شأنه أن يعزز الانضباط المالي ويمنح الميزانية العمومية قدرا أكبر من المصداقية والاستقرار.
ولفت إلى أن توالي الأزمات والصدمات الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية أصبح يفرض على الدولة نفقات إضافية غير متوقعة، وهو ما يفسر اللجوء المتكرر إلى فتح اعتمادات مالية إضافية منذ سنة 2022، في مؤشر واضح على حجم الضغوط التي تواجهها المالية العمومية وصعوبة التنبؤ بمسارها على المدى المتوسط والبعيد.
وفي جانب آخر من تقريره، سلط الجواهري الضوء على استمرار الفوارق الاجتماعية الصارخة داخل المجتمع المغربي، مبرزا أن متوسط إنفاق الفئات الأكثر ثراء يفوق بأكثر من سبع مرات إنفاق الفئات الأقل دخلا، بينما ينفق المواطن في المدن ما يقارب ضعف ما ينفقه نظيره في العالم القروي، وهو ما يعكس استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية رغم البرامج الحكومية الموجهة للدعم الاجتماعي.
وأكد أن هذه المعطيات تفرض إعادة النظر في طرق توجيه الدعم العمومي، حتى يصل بشكل أكثر دقة إلى الفئات الهشة التي تحتاجه فعلا، موضحا أن نظام المقاصة وحده استنزف خلال سنة 2025 حوالي 18 مليار درهم، في حين تستفيد منه بدرجة كبيرة فئات ميسورة لا تحتاج إلى هذا النوع من الدعم بنفس القدر.
كما أثار الجواهري ملف الامتيازات الضريبية التي كلفت خزينة الدولة أكثر من 32 مليار درهم خلال سنة واحدة، معتبرا أن جزءا منها يمنح دون تقييم دقيق لمدى نجاعته أو تتبع فعلي لنتائجه الاقتصادية والاجتماعية، ما يطرح تساؤلات حول مردودية هذه الإعفاءات وأثرها الحقيقي على التنمية والاستثمار.
وتعكس هذه التحذيرات الصادرة عن أعلى سلطة نقدية في البلاد حجم التحديات التي تنتظر المالية العمومية خلال السنوات المقبلة، في وقت تتزايد فيه المطالب الاجتماعية وتتسع أوراش الدولة الكبرى، بينما تفرض التحولات الاقتصادية العالمية واقعا جديدا يجعل من ترشيد النفقات وتسريع الإصلاحات خيارا لا يحتمل مزيدا من التأجيل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك