أنتلجنسيا المغرب:الرباط
تعيش شغيلة القطاع الفلاحي على وقع احتقان متصاعد لم يعد
بالإمكان تجاهله أو التقليل من حدته، في ظل استمرار تجميد ملفات حيوية شكلت محور
اتفاقات رسمية ضمن الحوار الاجتماعي القطاعي، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ على
أرض الواقع. هذا الوضع خلق فجوة متنامية بين الوعود المعلنة والانتظارات المشروعة
للموظفين والمستخدمين، الذين باتوا يشعرون بأن حقوقهم تُؤجل باستمرار دون مبررات
مقنعة، ما يهدد الثقة في المؤسسات ويغذي الإحساس بالتهميش داخل قطاع يعتبر من
ركائز الاقتصاد الوطني.
المراسلة الأخيرة الصادرة عن الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي
المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل لم تكن مجرد تذكير إداري عابر، بل حملت
في مضمونها نبرة قلق حقيقي وتحذير واضح من تداعيات استمرار هذا الجمود. فالاتفاقات
التي تم التوصل إليها، وآخرها خلال فبراير 2026، سبقتها التزامات أخرى منذ 2024،
ومع ذلك بقيت حبيسة الانتظار، وهو ما يعكس اختلالاً عميقاً في آليات تنفيذ مخرجات
الحوار الاجتماعي ويطرح تساؤلات جدية حول مصداقيته ونجاعته في معالجة القضايا
المطروحة.
في قلب هذه الأزمة، تبرز إشكالية الأنظمة الأساسية التي طال
انتظار إخراجها لعدد من المؤسسات العمومية المرتبطة بالقطاع، حيث يشكل هذا التعثر
عائقاً أمام استقرار المسارات المهنية وضمان الحقوق الإدارية للشغيلة. كما أن
استمرار تجاهل ملف حاملي الشهادات غير المدمجين في السلاليم المناسبة يعمق الإحساس
بالحيف، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لحل شامل يحقق الإنصاف ويعيد الاعتبار
للكفاءات التي ظلت مهمشة رغم مؤهلاتها العلمية.
ولا تقل الملفات الاجتماعية أهمية، إذ يظل ضعف الإمكانيات
المخصصة لمؤسسة الأعمال الاجتماعية أحد أبرز مظاهر الاختلال، حيث تعجز هذه المؤسسة
عن تلبية حاجيات المستخدمين أو تحقيق العدالة بين الجهات، في وقت يتزايد فيه الطلب
على خدماتها. كما أن غياب نظام تقاعد تكميلي يزيد من حالة القلق بشأن المستقبل،
ويكرس شعوراً بعدم الأمان الاجتماعي داخل فئة تعاني أصلاً من ضغوط مهنية متزايدة
في ظل تحديات مناخية واقتصادية معقدة.
الخصاص المهول في الموارد البشرية يضاعف من حدة الأزمة، حيث يجد
الموظفون أنفسهم أمام أعباء متزايدة تفوق طاقتهم، في غياب مناصب مالية كافية
وبنيات إدارية ملائمة وظروف عمل تحفظ الكرامة المهنية. هذا الوضع لا يؤثر فقط على
العاملين، بل ينعكس بشكل مباشر على مردودية القطاع وجودة الخدمات المقدمة، وهو ما
قد يقوض الجهود المبذولة للنهوض بالفلاحة الوطنية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ورغم بعض الإشارات الإيجابية، مثل إخراج النظام الأساسي
لمستخدمي المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي خلال 2025، إلا أن هذه الخطوة ظلت
معزولة ولم تنجح في تبديد حالة الاحتقان، خاصة مع استمرار تعثر باقي الملفات. هذا
التناقض بين خطوات محدودة وانتظارات واسعة ساهم في تعميق فقدان الثقة، وجعل
الشغيلة أكثر تشدداً في مطالبها وأكثر استعداداً للتصعيد في حال استمرار الوضع على
ما هو عليه.
المرحلة الحالية تتطلب
تدخلاً عاجلاً وحاسماً من الجهات الوصية لإعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي كآلية
حقيقية لإنتاج الحلول، وليس مجرد فضاء لتبادل الوعود. فاستمرار هذا الجمود ينذر
باضطراب المناخ الاجتماعي داخل قطاع حساس، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعبئة كل الطاقات
لمواجهة تحديات كبرى تتعلق بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية، وهو ما يجعل إنصاف
الشغيلة الفلاحية ضرورة وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك