أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تُعتبر الفترة التي قضاها اليمين زروال في قصر المرادية بين 1994 و1999 واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في السياسة الجزائرية المعاصرة. فقد عكست تلك السنوات صراعاً دقيقاً بين سلطة مدنية تسعى لممارسة القرار السياسي وبين جناح عسكري مسيطر على مفاصل الدولة، وهو ما أفرز ديناميات معقدة أثرت على قرارات الرئيس وعلاقاته الخارجية، خصوصاً مع المغرب.
تشير شهادات ووثائق تاريخية إلى أن أحد أبرز نقاط الخلاف بين زروال والجنرالات كان ملف العلاقات مع الرباط. ففي حين اعتبر قادة الجيش، وعلى رأسهم الجنرال الراحل محمد لعماري، أن التوتر مع المغرب أداة استراتيجية للحفاظ على تماسك الداخل وتبرير الإنفاق العسكري الكبير في أوج العشرية السوداء، كان زروال يميل إلى فتح قنوات حوار مباشرة مع الملك الراحل الحسن الثاني، وهو ما انعكس في لقاءات سرية جرت في فرنسا عام 1998. هذه المبادرة لم تحظ بقبول المؤسسة العسكرية التي اعتبرت أي تقارب مع المغرب تجاوزاً للخطوط الحمراء.
داخل القصر، كان التوتر متواصلاً، حيث انعكست الخلافات في لغة الخطاب والتصرفات اليومية، وأظهرت أن الرئيس كان يُنظر إليه أكثر كرئيس “ضرورة” لإدارة الأزمة الأمنية، وليس كصانع قرار مستقل. تصاعد الصراع حين حاول زروال تعيين مستشارين مقربين منه وفتح حوار مع الجناح العسكري للجبهة الإسلامية للإنقاذ، ما اعتبره الجنرالات تهديداً للهيمنة العسكرية على القرار السياسي.
بلغت الأزمة ذروتها في سبتمبر 1998 حين أعلن زروال تقليص عهدته وتنظيم انتخابات مسبقة، قرار جاء تحت ضغط داخلي وسياسي شديد، إذ حاولت وسائل إعلام محسوبة على الجنرالات عرقلة أي مبادرات له، مما جعل بقاءه في السلطة شبه مستحيل. التحليلات تشير إلى أن الجنرالات لم يرفضوا رحيله كلياً، بل رفضوا توقيت رحيله، لضمان انتقال سلس للسلطة نحو خليفته عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات 1999 التي انسحب منها معظم المنافسين احتجاجاً على التزوير.
يبقى اليمين زروال في الذاكرة السياسية الجزائرية كرئيس حاول توسيع هامش القرار المدني والتقريب مع المغرب، لكنه اصطدم بواقع القوة العسكرية، تاركاً إرثاً من الأسئلة حول التوازن بين شرعية الصندوق وسلطة الثكنات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك