أنتلجنسيا:أبو آلاء
تحول لقاء رمضاني نظم بالرباط إلى منصة نقاش معمق حول واقع منظومة العدالة في المغرب، حيث اجتمع سياسيون ومحامون وأكاديميون لتقييم مسار الإصلاح القضائي واستشراف سبل تعزيز استقلالية السلطة القضائية وترسيخ مبدأ فصل السلط في إطار دولة الحق والقانون.
اللقاء، الذي نظمته الكتابة الإقليمية لفيدرالية اليسار الديمقراطي بالرباط واستضافه مقر نادي المحامين، شهد تكريم عبد الرحمان بنعمرو، نقيب المحامين السابق والفاعل الحقوقي البارز، بحضور شخصيات حزبية وأكاديمية وحقوقية تنتمي إلى أوساط اليسار المغربي، في مشهد يعكس رمزية الحدث وأبعاده المرتبطة بالنقاش العام حول العدالة.
وخلال مداخلته، أكد محمد الساسي، أستاذ جامعي وعضو المكتب السياسي لفيدرالية اليسار الديمقراطي، أن تعزيز الحرية النقابية داخل الجسم القضائي يشكل مدخلاً أساسياً لحماية استقلال القضاة، موضحاً أن تأسيس آليات تنظيمية داخلية تمنح القضاة قدرة على التضامن والدفاع الجماعي عن استقلالهم يساهم في تحصين موقعهم المؤسسي.
وأشار الساسي إلى أن الصعوبات التي واجهت بعض الهيئات المهنية للقضاة في مسار التأسيس والتنظيم تعكس استمرار تحديات تتعلق بتغيير النظرة التقليدية للسلطة تجاه الجسم القضائي، لافتاً إلى أن بعض المحطات، مثل اضطرار قيادات هذه الهيئات إلى تنظيم تجمعات انتخابية في الفضاء العام، تكشف أن مسار ترسيخ الاستقلالية لا يزال يتطلب جهداً أعمق لتكريس ثقافة مؤسساتية جديدة.
كما شدد على أن مناقشة استقلالية السلطة القضائية تقتضي النظر في طبيعة العلاقة بين القاضي والجماعة القضائية، وبين القاضي ومؤسسات الدولة، إضافة إلى علاقته بمؤسسة الحكم وبالأجهزة الأمنية، مؤكداً أن مبدأ الاستقلال يحتاج إلى ضمانات عملية لتفعيله، وليس مجرد نصوص دستورية.
وفي هذا السياق، توقف عند الفصل 107 من دستور المملكة، الذي ينص على أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية، معتبراً أن النص الدستوري لا يوضح الآليات العملية التي تضمن هذا الاستقلال بشكل فعلي، ومؤكداً أن تصوره في إطار الفيدرالية يقوم على ضرورة الذهاب بإصلاح العدالة إلى ما هو أبعد من المقتضيات الدستورية الحالية.
من جهته، أوضح أحمد البوز، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، أن علاقة الدستور بإصلاح العدالة ترتكز على ثلاثة أسس سياسية، أولها تحديد طبيعة القضاء كسلطة مستقلة يفترض أن تعالج اختلالات المنظومة القضائية وتضمن حماية الحقوق.
وأكد البوز أن الدستور لا يكتفي بإعلان استقلال القضاء، بل يكرس أيضاً مبدأ استمرارية الإصلاح، مشيراً إلى أن الاستقلال القضائي يحتاج إلى حماية دستورية فعالة وإلى مؤسسات قادرة على ترجمته عملياً، مع اعتبار القاضي حامياً للحقوق وضامناً للمحاكمة العادلة والأمن القضائي، بما يعزز الثقة في العدالة كأساس للشرعية المؤسساتية.
واعتبر أن أي تصور لإصلاح العدالة لا يمكن فصله عن السياق الديمقراطي العام، إذ شدد على وجود ترابط وثيق بين استقلال القضاء وحرية الصحافة واستقلال الأحزاب السياسية وفعالية البرلمان، مؤكداً أن هذه العناصر تشكل منظومة متكاملة تدعم بناء عدالة مستقلة وشفافة.
وأشار إلى أن الإصلاح لا يرتبط فقط بتعديل القوانين، بل يتطلب أيضاً تحوّلاً ثقافياً داخل الجسم القضائي يقوم على الجرأة في الاجتهاد، وحماية الحقوق، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، مع الدعوة إلى تعزيز الاستقلال المؤسساتي في مقابل إرساء حكامة قائمة على المساءلة والشفافية.
كما دعا إلى تقوية الاستقلال المالي للسلطة القضائية، وتمكين المجلس الأعلى للسلطة القضائية من أدوات موضوعية لتقييم الأداء، مع تحقيق توازن بين استقلال القاضي وحق المجتمع في مراقبة جودة العدالة.
وفي ختام النقاش، جرى التأكيد على ضرورة توضيح الحدود بين اختصاصات وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، مع ضبط الإطار المؤسساتي للسياسة الجنائية وتحديد الجهة المخولة بصياغتها وكيفية إخضاعها للمساءلة الديمقراطية، باعتبارها سياسة عمومية تستوجب الوضوح في الصلاحيات والمسؤوليات داخل منظومة الحكم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك