أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
كشفت دراسة علمية دولية حديثة أن الضغط التكتوني المتواصل بين الصفيحة الإفريقية والصفيحة الأوراسية يفرض دينامية جيولوجية بطيئة لكن مستمرة، تؤدي إلى دوران تدريجي لشبه الجزيرة الإيبيرية في اتجاه عقارب الساعة، في ظاهرة تشمل المجال الجغرافي الممتد بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا، خصوصاً في محيط مضيق جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط الغربي.
وأوضحت الدراسة المنشورة في مجلة Gondwana Research أن هذه الحركة الجيولوجية غير المرئية تتم بسرعات لا تتجاوز بضعة مليمترات سنوياً، إلا أنها كافية لإعادة تقييم الفهم العلمي السائد حول طبيعة التفاعل التكتوني في الحدود الفاصلة بين إفريقيا وأوروبا.
وبحسب الباحثين، فإن المنطقة الممتدة من خليج قادس إلى بحر البوران تمثل أحد أكثر الأنظمة التكتونية تعقيداً في العالم، إذ لا تقوم العلاقة بين الصفيحتين على فالق واحد واضح، بل على شبكة معقدة من الصدوع والكتل الصخرية المتداخلة، ما يجعلها منطقة انتقال وتشوه جيولوجي مستمر.
وتشير المعطيات العلمية إلى أن الصفيحة الإفريقية تتحرك شمالاً بسرعة تتراوح بين 4.5 و6 مليمترات سنوياً مقارنة بالصفيحة الأوراسية، وهو ما يولد ضغطاً غير متوازن ينتج عنه ما يشبه "التواءً تكتونياً" يدفع شبه الجزيرة الإيبيرية إلى دوران بطيء ومتصاعد مع مرور الزمن الجيولوجي.
ويبرز الباحثون أهمية قوس جبل طارق الجيولوجي، الرابط بين جبال الريف في شمال المغرب ومرتفعات الجبال البيتية في جنوب إسبانيا، باعتباره منطقة محورية لنقل وإعادة توزيع القوى التكتونية بين القارتين، ومركزاً رئيسياً لفهم آليات التشوه القشري في هذه الرقعة الحساسة.
واعتمدت الدراسة على دمج بيانات زلزالية دقيقة مع قياسات جيوديسية مستمدة من شبكات الأقمار الصناعية من نوع GNSS، القادرة على رصد تحركات سطح الأرض بدقة تصل إلى أجزاء من المليمتر، ما أتاح تصويراً علمياً أكثر وضوحاً لحركة الكتل الصخرية وتفاعلها عبر الزمن.
وتؤكد النتائج أن شبه الجزيرة الإيبيرية لا تتحرك كوحدة صلبة متجانسة كما كان يُعتقد سابقاً، بل تتعرض لتشوهات متعددة الأبعاد تشمل الانضغاط الجانبي والتمدد والانزلاق القشري، خصوصاً في المناطق القريبة من مضيق جبل طارق والبحر البوراني، وهو ما ينعكس على مستوى النشاط الزلزالي المحتمل.
ويرى العلماء أن تعميق فهم توزيع الضغوط التكتونية في هذه المنطقة سيساهم في تحسين نماذج تقييم المخاطر الزلزالية في جنوب إسبانيا وشمال المغرب، لافتين إلى أن التاريخ الجيولوجي يشير إلى إمكانية تسجيل زلازل قوية في المستقبل، كما حدث مع زلزال لشبونة عام 1755 الذي يُعد من أعنف الزلازل المسجلة في أوروبا.
وتخلص الدراسة إلى أن هذه الحركة البطيئة، رغم أنها غير محسوسة في الزمن الإنساني، تمثل دليلاً على دينامية جيولوجية مستمرة قد تعيد تشكيل الحدود الطبيعية بين إفريقيا وأوروبا على المدى الطويل، في مسار يتجاوز الحسابات البشرية ويخضع لقوانين الأرض العميقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك