أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
المقدمة
شهدت الساحة السورية منذ عام 2011 ظهور العديد من الفصائل المسلحة التي تنوعت في أهدافها وأيديولوجياتها. من بين هذه الفصائل، برزت جبهة النصرة، التي تحولت لاحقًا إلى هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا). ما يميز الشرع عن غيره من قادة التنظيمات الجهادية هو مساره المتطور الذي شهد تحولات ملحوظة من التركيز على الأيديولوجية الجهادية العالمية إلى تبني خطاب وطني يركز على بناء الدولة وتقديم الخدمات. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه التحولات وتحليل أبعادها المختلفة، وتقديم فهم أعمق لشخصية الشرع ودوره في مستقبل سوريا، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي أدت إلى توليه رئاسة الجمهورية العربية السورية الانتقالية في يناير 2025.
النشأة والتكوين الأيديولوجي
ولد أحمد حسين الشرع عام 1982، وانخرط في صفوف الجهاديين بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث انضم إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبي مصعب الزرقاوي. شكلت هذه الفترة الأساس لتكوينه الفكري والجهادي، حيث اكتسب الخبرة في العمليات المسلحة والتنظيم السري.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، أرسل زعيم التنظيم في العراق آنذاك، أبو عمر البغدادي، الجولاني إلى سوريا لتأسيس فرع للقاعدة هناك. في يناير 2012، أعلن الجولاني عن تشكيل جبهة النصرة لأهل الشام، والتي سرعان ما أصبحت واحدة من أبرز الفصائل المسلحة في سوريا. تبنت جبهة النصرة في بداياتها أيديولوجية جهادية عالمية متأثرة بفكر القاعدة، وهدفت إلى إسقاط نظام بشار الأسد وإقامة دولة إسلامية.
تميزت جبهة النصرة في بداياتها بفاعليتها العسكرية وقدرتها على التنسيق مع الفصائل المعارضة الأخرى، مما أكسبها قبولا نسبيا في بعض المناطق. ومع ذلك، ظلت أيديولوجيتها الجهادية مصدر قلق للمجتمع الدولي وبعض الفصائل السورية المعتدلة. كانت الجبهة تركز على القتال ضد النظام السوري، ولكنها في الوقت نفسه كانت تتبنى خطابا دينيا يتماشى مع فكر القاعدة.
نقطة التحول: الانفصال عن القاعدة وداعش
شكل عام 2013 نقطة تحول حاسمة في مسيرة الجولاني وجبهة النصرة. ففي أبريل من ذلك العام، أعلن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، أبو بكر البغدادي، عن دمج تنظيمه مع جبهة النصرة تحت مسمى
(الدولة الإسلامية في العراق والشام) (داعش). إلا أن الجولاني رفض هذا الاندماج، وأعلن ولاءه المباشر لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، مؤكدا أن جبهة النصرة هي الفرع الرسمي للقاعدة في سوريا.
كان لهذا الرفض أبعاد استراتيجية وفكرية عميقة. من الناحية الاستراتيجية، أدرك الجولاني أن الاندماج مع داعش، الذي كان يتبنى نهجا أكثر تطرفا ووحشية، سيؤدي إلى نفور الفصائل السورية المحلية والمجتمعات المحلية، ويجعل جبهة النصرة هدفا مباشرا للمجتمع الدولي. أما من الناحية الفكرية، فكانت هناك اختلافات حول أولويات الجهاد بين الجولاني والبغدادي، حيث ركز الجولاني على الأهداف المحلية في سوريا، بينما كان البغدادي يسعى لإقامة خلافة عالمية.
في عام 2016، اتخذ الجولاني خطوة أكثر جرأة بإعلانه فك الارتباط بتنظيم القاعدة، وتغيير اسم جبهة النصرة إلى جبهة فتح الشام. برر الجولاني هذا القرار بأنه يهدف إلى (إزالة الذرائع) التي يستخدمها المجتمع الدولي لاستهداف الجبهة، وتوحيد صفوف الفصائل المقاتلة في سوريا. كانت هذه الخطوة بمثابة إشارة واضحة إلى رغبة الجولاني في التخلص من وصمة الإرهاب المرتبطة بالقاعدة، وتقديم نفسه كقائد سوري يركز على القضايا المحلية.
تبع ذلك في عام 2017 اندماج جبهة فتح الشام مع فصائل أخرى لتشكيل هيئة تحرير الشام، التي أصبحت القوة المهيمنة في شمال غرب سوريا. عكس هذا التطور رغبة الجولاني في بناء كيان أكثر شمولية وقبولً محلًا، يركز على إدارة المناطق وتقديم الخدمات، بدلا من مجرد القتال.
التحول السياسي: من الجهاد إلى بناء الدولة
منذ عام 2016، بدأ الجولاني في تنفيذ تحول براغماتي ملحوظ في خطابه وممارساته، سعيا منه لتغيير صورة هيئة تحرير الشام من تنظيم جهادي متشدد إلى كيان سياسي وإداري مقبول محليا ودوليا. لم يكن هذا التحول مفاجئا، بل جاء نتيجة لتراكم الخبرات والضغوط الداخلية والخارجية التي واجهها التنظيم.
تجلت أبرز ملامح هذا التحول في عدة جوانب:
تغيير الخطاب والمظهر: تخلى الجولاني تدريجيا عن العمامة التي ميزته خلال بداياته، ليرتدي بدلا منها زيا مدنيا أو عسكريا. صاحب هذا التغيير في المظهر تغيير في الخطاب، حيث بدأ يركز على القضايا الوطنية السورية مثل إسقاط نظام الأسد وبناء دولة سورية مستقلة، بدلا من الأيديولوجية الجهادية العالمية.
التركيز على الإدارة والخدمات: أولت هيئة تحرير الشام اهتماما كبيرا لإدارة المناطق التي تسيطر عليها في شمال غرب سوريا وتقديم الخدمات الأساسية. شمل ذلك توفير الأمن، وإدارة المرافق العامة، وتقديم المساعدات الإغاثية، مما ساهم في كسب تأييد بعض المجتمعات المحلية التي عانت من الفوضى والفراغ الإداري.
تحسين العلاقات مع المجتمعات المحلية: حرصت هيئة تحرير الشام على الحفاظ على علاقات جيدة مع المجتمعات المحلية وتجنب استفزاز البيئات الاجتماعية. كما سعت إلى طمأنة الأقليات، مثل المسيحيين، بأنهم لن يتعرضوا لأي أذى، في محاولة لتقديم صورة أكثر اعتدالا وقبولا .
التواصل مع المجتمع الدولي: سعى الجولاني إلى تحسين علاقاته مع المجتمع الدولي، وأجرى مقابلات مع وسائل إعلام غربية مرموقة مثل بي بي سي وسي إن إن. خلال هذه المقابلات، حاول تقديم نفسه كقائد سياسي يسعى لتحقيق الاستقرار في سوريا، مؤكدا أنه لا ينوي شن هجمات ضد الغرب.
استخدام الاسم الحقيقي: في خطوة رمزية مهمة، بدأ الجولاني في استخدام اسمه الحقيقي أحمد الشرع في المقابلات والبيانات الرسمية، بدلا من اسمه الحركي أبو محمد الجولاني. تعكس هذه الخطوة رغبته في التخلص من وصمة الماضي الجهادي، وتقديم نفسه كشخصية سياسية جديدة.
التركيز على بناء الدولة: أكد الشرع في تصريحاته الأخيرة على أهمية بناء الدولة السورية، مشددًا على أن "عقلية الثأر لا تبني دولة"، وأن بناء سوريا يحتاج إلى مؤسسات رسمية بدلا من الفصائل المسلحة. كما أشار إلى أن بناء الدولة يجب أن يتم بفكر الدولة وليس بفكر الثورة أو الفصائل. يمثل هذا التركيز على بناء الدولة تحولا جوهريا في فكره، من قائد جهادي يسعى لإقامة إمارة إسلامية إلى قائد سياسي يسعى لبناء دولة سورية حديثة.
تعكس هذه التحولات استراتيجية واضحة من قبل الشرع للتكيف مع الواقع السوري المتغير، والبحث عن شرعية جديدة لهيئة تحرير الشام كقوة سياسية وإدارية فاعلة في سوريا، بدلا من مجرد فصيل عسكري جهادي.
مقارنة تحليلية: الشرع مقابل القاعدة وداعش
تبرز شخصية أحمد الشرع (الجولاني) كنموذج فريد في سياق الحركات الجهادية، حيث يختلف نهجه بشكل جوهري عن التنظيمات الجهادية التقليدية مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).:
يمثل كل من هيئة تحرير الشام، وتنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم القاعدة نماذج مختلفة داخل التيار الجهادي المعاصر، رغم اشتراكها في مرجعيات أيديولوجية متقاربة في الأصل. غير أن مساراتها العملية، وأهدافها السياسية، وأنماط علاقتها بالمجتمع المحلي، تكشف عن تباينات عميقة تعكس تحولات السياق السوري والإقليمي والدولي خلال العقدين الأخيرين.
فمن حيث الهدف الاستراتيجي، نشأت القاعدة بوصفها تنظيما عابرا للحدود، يركز على الجهاد العالمي ضد ما تسميه العدو البعيد، أي الولايات المتحدة والغرب، باعتبارهما الداعمين الرئيسيين للأنظمة العربية. كانت رؤيتها تقوم على استنزاف هذا العدو تمهيدا لإسقاط الأنظمة المرتدة وإقامة كيانات إسلامية. لاحقا، تطور هذا التصور مع تنظيم الدولة الذي ذهب أبعد من القاعدة، إذ أعلن إقامة خلافة عابرة للحدود وفرض نموذج حكم شمولي قائم على السيطرة العسكرية المباشرة، والتوسع بالقوة، وإخضاع السكان لتفسير متشدد للشريعة. في المقابل، اتجهت هيئة تحرير الشام، خصوص بعد تحولات قيادتها بقيادة أبي محمد الجولاني، إلى حصر مشروعها في الإطار السوري المحلي، معلنة أن هدفها هو إسقاط النظام السوري وبناء كيان سياسي داخل الحدود السورية، مع التركيز على الإدارة المحلية وتقديم الخدمات، وهو ما يعكس انتقالا من منطق الأمة العابرة للحدود إلى منطق الكيان الوطني
أما في مسألة القيادة والشرعية، فقد تأسست القاعدة على مبدأ البيعة لأمير التنظيم بوصفه مرجعية جامعة، بدءا بأسامة بن لادن ثم أيمن الظواهري، مع تأكيدها على وحدة القيادة الرمزية ولو مع لامركزية الفروع. تنظيم الدولة شدد هذا المفهوم بصورة أكثر صرامة، فاعتبر البيعة للخليفة واجبا شرعيا، وكفر من يرفضها، ما أدى إلى صدامات دامية مع فصائل أخرى، بل ومع القاعدة نفسها. على النقيض من ذلك، حاولت هيئة تحرير الشام تقديم صيغة قيادية أقل صدامية، فتجنب زعيمها توصيف نفسه بـالأمير أو الخليفة، ولم يشترط البيعة العامة من الفصائل أو السكان، في محاولة لتخفيف الحساسية المحلية والدولية، وإعادة صياغة شرعيتها على أساس الإدارة والإنجاز أكثر من الولاء العقدي
وتبرز العلاقة بالمجتمعات المحلية كأحد أهم الفوارق العملية. فقد اعتمد تنظيم الدولة على فرض سلطته بالقوة، وطبق منظومة عقابية صارمة، وأقدم على تهجير أو استهداف الأقليات الدينية والعرقية، ما أدى إلى خلق بيئة عدائية واسعة ضده وساهم في حشد تحالف دولي لإسقاطه. القاعدة، وإن كانت أقل اندفاعا في إعلان الدولة، إلا أنها استخدمت العنف المفرط ضد خصومها المحليين، واحتفظت برؤية عقائدية تعتبر كثيراً من الفاعلين المحليين "مرتدين". في المقابل، سعت هيئة تحرير الشام إلى كسب الحاضنة الاجتماعية، عبر النشاط الإغاثي والخدمي، وإدارة المعابر والمؤسسات، وتقديم نفسها كسلطة أمر واقع معنية بالاستقرار. هذا التحول يعكس إدراكا بأن الاستدامة السياسية في السياق السوري تتطلب قبولا مجتمعيا نسبيا، وليس فقط تفوق عسكري.
وفي ما يتعلق بالتعاون مع الفصائل الأخرى، يتضح التباين بجلاء. تنظيم الدولة رفض أي شراكة لا تقوم على البيعة المطلقة، ما أدخله في حروب استنزاف مع باقي الفصائل المسلحة. القاعدة كانت أكثر مرونة تكتيكيا، لكنها ظلت تصر على مرجعيتها الفكرية العليا. أما هيئة تحرير الشام فتبنت براغماتية واضحة، إذ نسجت تحالفات مرحلية مع فصائل محلية، وشاركت في هياكل إدارية مشتركة، وإن احتفظت عمليا بنفوذ واسع داخل مناطق سيطرتها. هذه البراغماتية لا تعني تخليا كاملا عن الخلفية الجهادية، لكنها تشير إلى إعادة ترتيب الأولويات بين العقيدة والسياسة.
التحول في الخطاب والأيديولوجيا يمثل بدوره نقطة محورية. خطاب القاعدة وتنظيم الدولة ظل مؤطرا بمفاهيم مثل )الولاء والبراء(، و(العدو البعيد) و(العدو القريب)، مع مركزية فكرة الصراع الكوني. أما هيئة تحرير الشام فقد أعادت صياغة خطابها باتجاه وطني سوري، وتحدثت عن حماية المدنيين وبناء مؤسسات، وخففت من حضور المفردات الجهادية العابرة للحدود في خطابها العلني. ويعزز هذا التحول البعد الرمزي المتعلق بالمظهر؛ إذ تخلى الجولاني عن الزي الجهادي التقليدي وظهر بلباس مدني أو عسكري أقرب إلى صورة الفاعل السياسي المحلي، في مقابل تمسك القاعدة وتنظيم الدولة بالرمزية الجهادية الكلاسيكية التي تؤكد القطيعة مع الدولة الوطنية الحديثة.
مع ذلك، فإن هذه الفوارق لا تلغي الجذور المشتركة. فكل هذه التنظيمات انطلقت من خلفية سلفية جهادية ترى في العمل المسلح وسيلة مركزية للتغيير السياسي. لكن التجربة العملية، والضغط العسكري الدولي، والتحولات الاجتماعية داخل سوريا، دفعت بعض الفاعلين إلى مراجعات تكتيكية عميقة. يمكن القول إن القاعدة تمثل النموذج الكلاسيكي للجهاد العالمي، وتنظيم الدولة يمثل النموذج الراديكالي المتعجل الذي حاول فرض الدولة فورا بالقوة، بينما تمثل هيئة تحرير الشام نموذج الجهاد المحلي البراغماتي الذي يسعى إلى إعادة تموضع داخل السياق الوطني.
بهذا المعنى، لا تعكس المقارنة مجرد اختلاف تنظيمي، بل تحولات أوسع في بنية الحركات الجهادية: من العولمة العقائدية الصلبة إلى محاولات التكيف مع الدولة الوطنية، ومن مركزية البيعة العقائدية إلى البحث عن شرعية اجتماعية، ومن الصدام الشامل مع المجتمع الدولي إلى إدارة توازنات معقدة على الأرض.
يتضح من هذه المقارنة أن الشرع قد أظهر مرونة وتكيفا تكتيكيا لم تظهره التنظيمات الجهادية الأخرى. فبينما تمسكت القاعدة وداعش بأيديولوجياتهما المتشددة وأهدافهما العالمية، سعى الشرع إلى تكييف خطابه وممارساته لتتناسب مع الواقع السوري، والتركيز على الأهداف المحلية وبناء الدولة. يعكس هذا التباين استراتيجية مختلفة تماما، تهدف إلى كسب الشرعية المحلية والدولية، بدلا من فرض الأيديولوجية بالقوة.
التطورات الأخيرة: منصب الرئيس الانتقالي والآفاق المستقبلية
شهدت نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 تطورات مفصلية في مسيرة أحمد الشرع وسوريا. ففي 29 يناير 2025، أعلنت إدارة العمليات العسكرية السورية اختيار أحمد الشرع لرئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية، لتسجل لحظة فارقة في تاريخ الصراع السوري. هذا التطور، الذي جاء بعد سنوات من التحولات في خطاب وممارسات الشرع، يضعه في موقع قيادي مباشر للدولة السورية الجديدة.
تولى الشرع منصب رئيس الجمهورية العربية السورية الانتقالي، مما يعكس اعترافا متزايدا بتحولاته وبدوره المحوري في المشهد السوري. وقد واجه الشرع خمس محاولات اغتيال خلال العام الماضي، مما يشير إلى التحديات الأمنية الكبيرة التي يواجهها في منصبه الجديد.
تشكل المرحلة الجديدة في سوريا، منعطفا سياسيا غير مسبوق في مسار الأزمة السورية، سواء على مستوى العلاقات الدولية أو في إعادة تشكيل البنية الداخلية للدولة. ففي تطور لافت، قام الشرع بزيارة إلى واشنطن في نوفمبر 2025، في خطوة وصفت بأنها تاريخية، لما تحمله من دلالات على تحول جذري في طبيعة العلاقة بين دمشق والولايات المتحدة بعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات. هذا الانفتاح يعكس مسارا سريعا نحو كسر العزلة الدولية، ومحاولة إعادة تموضع سوريا ضمن التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، مع مؤشرات على استعداد غربي لمنح السلطة الانتقالية فرصة لإعادة الإدماج مقابل التزامات سياسية وأمنية واضحة.
داخليا، تبنت الحكومة الجديدة حزمة قرارات اقتصادية جريئة تحمل طابعا إصلاحيا ذا نزعة ليبرالية واضحة. فقد أعلنت زيادة بنسبة 200% على رواتب العاملين في القطاع العام، في محاولة لامتصاص الاحتقان الاجتماعي وتحسين القدرة الشرائية المنهارة. غير أن هذه الزيادة ترافقت مع سياسة تحرير للأسعار شملت الخبز والمشتقات النفطية والكهرباء، إلى جانب توحيد سعر الصرف، ما يعني انتقالا من اقتصاد مدعوم شديد المركزية إلى نموذج أكثر انفتاحا على آليات السوق. هذا التحول، رغم ما يحمله من وعود بإعادة هيكلة الاقتصاد وجذب الاستثمارات، يطرح في الوقت ذاته مخاطر اجتماعية جدية، خاصة في ظل هشاشة البنية الإنتاجية وارتفاع معدلات الفقر.
سياسيا حرص الشرع على إرسال رسائل تطمين بشأن البعد الوطني الجامع، مؤكدا التزام الدولة بحقوق الأكراد الوطنية والسياسية والمدنية، ومشددا على أن جميع السوريين سواسية. هذا الخطاب يسعى إلى تجاوز إرث الصراع الأهلي وإعادة بناء شرعية داخلية تقوم على المواطنة بدل الانقسامات المناطقية والإثنية. إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الخطاب بل في آليات ترجمة هذه الالتزامات إلى ترتيبات دستورية ومؤسساتية تضمن التعددية وتمنع عودة الاحتكار السلطوي بصيغته الجديدة.
ورغم النجاحات الدبلوماسية المتسارعة، يظل الاختبار الأخطر أمام القيادة الجديدة داخليا. فاحتكار القرار السياسي من قبل النخبة المرتبطة بهيئة تحرير الشام يثير مخاوف من إعادة إنتاج نموذج مركزي مغلق، ولو بأدوات مختلفة. كما أن التقارير التي تتحدث عن تحالف متنام مع الغرب وحلفائه، وانفتاح نيوليبرالي سريع، واستعداد محتمل للتطبيع مع إسرائيل، تفتح نقاشا حادا حول حدود البراغماتية السياسية والفاصل بين إعادة التموضع الاستراتيجي وفقدان هامش السيادة. فكلما تعمق الارتباط بالمساعدات المشروطة والدعم الخارجي، ازدادت احتمالات تقييد القرار الوطني باعتبارات التوازنات الدولية.
إقليميا يبدو أن السلطة الجديدة تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن محور غربي–إقليمي بديل عن التحالفات السابقة، مستندة إلى خطاب الاستقرار ومحاربة الفوضى، ومقدمة نفسها شريكا قابلا للاندماج في النظام الإقليمي الجديد. غير أن نجاح هذا التموضع يبقى رهين قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الشرعية الخارجية وضرورات الشرعية الداخلية، وبين الإصلاح الاقتصادي وضمان العدالة الاجتماعية، وبين البراغماتية السياسية وصون الاستقلال الوطني. فمرحلة ما بعد العزلة قد تفتح أبوابا واسعة لإعادة البناء، لكنها في الوقت ذاته تحمل بذور تناقضات عميقة ستحدد مآلات التجربة السورية في السنوات المقبلة.
الخلاصة
يمثل مسار أحمد الشرع حالة فريدة تستحق الدراسة والتحليل في سياق الصراع السوري المعقد. إن قدرته على التحول من قائد جهادي إلى شخصية سياسية تسعى لبناء دولة، على الرغم من التحديات الهائلة، قد يكون لها تأثير كبير على مستقبل سوريا والمنطقة. يظل نجاح هذا الكيان مرهونا بمدى قدرته على تجاوز إرثه الأيديولوجي، وبناء نظام سياسي تعددي، والتعاطي الواقعي مع شبكة التوازنات الإقليمية والدولية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك