أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
في قراءة صريحة للمشهد المغربي، اعتبر عالم الاجتماع والباحث في العلوم السياسية محمد الطوزي، أن البلاد تعيش مساراً متدرجاً نحو ترسيخ ثقافة التداول عبر الانتخابات، غير أنه حذّر في الآن نفسه من اختزال هذا المسار في مظاهر شكلية تغفل أزمة أعمق تضرب جوهر العمل السياسي وأخلاقياته.
وخلال استضافته في برنامج بثته القناة الثانية بحر الأسبوع الجاري، شدد الطوزي على أن قيمة اللحظة السياسية الراهنة لا تختزل في نتائج صناديق الاقتراع، بل في اعتياد الفاعلين على منطق التداول، بما يمنح الصوت الانتخابي وزناً فعلياً في تشكيل موازين الحكم.
ومع ذلك، أقرّ الباحث السياسي والخبير في علم الاجتماع، بأن الحديث عن ديمقراطية مكتملة يظل سابقاً لأوانه.
أزمة سياسية أم أزمة أخلاق؟
التحليل الذي قدمه الطوزي لم يكتفِ بوصف ارتباك حزبي عابر، بل ذهب إلى توصيف أزمة مركبة تشمل الرؤية والبرامج والقيادات، قبل أن تبلغ ذروتها في ما سماه “الأزمة الأخلاقية” التي مست صورة السياسة ذاتها. ففقدان الجاذبية، في نظره، لا يرتبط فقط بضعف العروض الانتخابية، بل بانكسار الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
ويرى أن المرحلة التي أعقبت انتخابات 2021 كشفت حاجة ملحة إلى إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والتنمية، ليس فقط من زاوية المؤشرات الاقتصادية، بل من خلال بعد مواطني وأخلاقي يعيد بناء الثقة. فالرهان اليوم، حسب تحليله، هو تعبئة مجتمعية جديدة تؤسس لمصالحة سياسية واسعة، تعيد دمج فئات تشعر بالتهميش أو العزوف.
الإسلاميون:تحوّل لا نهاية
في ما يتعلق بالحركات ذات المرجعية الإسلامية، اعتبر الطوزي أن الحديث عن أفول نهائي مبالغ فيه، مؤكداً أن حضور الدين في المجال العام لن يختفي، لكنه سيتخذ أشكالاً مختلفة وأكثر تعقيداً.
ما تراجع، وفق قراءته، هو نمط معين من الثقافة السياسية التي مزجت بين الأخلاقي والسياسي ضمن مرجعية مغلقة واجهت صعوبات في تدبير التعدد والاختلاف.
كما انتقد النخب الإسلامية لعدم استثمار فرصة تجديد خطابها، سواء السياسي أو الديني، في مجتمع محافظ ومتدين كان ينتظر منها مبادرات فكرية أكثر جرأة. فالتجديد، في رأيه، لم يكن خياراً ثانوياً بل ضرورة تاريخية لم تُستثمر بالشكل الكافي.
علمنة صامتة أم تفاوض يومي؟
وحول سؤال العلمنة، رفض الطوزي المقاربة التبسيطية، معتبراً أن الواقع يكشف عن تعايش يومي وتفاوض مستمر بين الديني واليومي، حيث يطور الأفراد أشكالاً مرنة من التدين تتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة. غير أن هذا الحراك الاجتماعي لم يُترجم، برأيه، إلى مشروع فكري وسياسي متجدد بما يكفي.
الأزمة الأعمق، حسب الطوزي، لا تكمن في وجود الانتخابات، بل في ضعف “التصور السياسي” للصراع ذاته، إذ بات التنافس يدور حول أساليب التدبير التقني لا حول اختيارات سياسية واضحة تمس قضايا العدالة الاجتماعية والفوارق المجالية وتوزيع الاستثمارات.
عرض سياسي باهت في زمن الليبرالية الجديدة
وفي تشخيصه للسياق العالمي، أشار إلى هيمنة تصور ليبرالي يقدّم القطاع الخاص باعتباره الفاعل الأنجع، ويختزل المصلحة العامة في مجموع المصالح الخاصة. هذا التوجه، كما يرى، ينعكس في تشابه العروض السياسية محلياً، ما يضعف الحماسة الانتخابية ويجعل السياسة تبدو بلا رهانات كبرى.
واستحضر أمثلة من السياسة الفلاحية والتحول الرقمي ليؤكد أن ما يبدو تقنياً هو في العمق سياسي بامتياز. فالاختيار بين دعم الفلاحة الأسرية أو منطق الأعمال، أو بين عدالة رقمية شاملة أو خدمات رقمية مرتفعة الكلفة، ليس قراراً إدارياً بل توجهاً مجتمعياً يعكس تصوراً للعدالة.
الاحتجاج:صحة مجتمع ومرض ووساطة
توقف الطوزي عند تصاعد الحركات الاحتجاجية، معتبراً أن كثرتها مؤشر حيوية مجتمعية وقدرة على التعبير السلمي، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة الوسائط التقليدية، من نقابات وأحزاب. فصعود “التنسيقيات” يعكس، في نظره، فشل قنوات الوساطة الكلاسيكية في تمثيل المطالب وتحويلها إلى مشاريع سياسية قابلة للتفاوض.
كما ميّز بين الحيوية المحلية، حيث ترتبط السياسة بحاجيات ملموسة، وبين الفتور الوطني المرتبط بضعف الرهانات الإيديولوجية الواضحة. واعتبر أن أي تحليل لأزمة السياسة يجب أن يفرّق بين هذه المستويات بدل تعميم التشخيص.
الدولة والرياضة:تعبئة بين الفخر والمبالغة
وفي قراءته لدلالات التظاهرات الرياضية الكبرى، رأى الطوزي أنها كشفت قدرة تنظيمية وصورة دولة مستقرة ذات امتداد مؤسساتي واضح، مشيراً إلى أن الأجواء التي رافقتها حملت طابعاً احتفالياً قوياً عزز اللحمة الوطنية. لكنه حذر من الانزلاق نحو تعبئة مفرطة أو شحن إعلامي قد يولد توترات غير محسوبة.
بين النضج والاختبار
يخلص الطوزي إلى أن المغرب يقف عند مفترق دقيق: مجتمع حيوي يحتج ويتفاعل وينخرط محلياً، مقابل عرض سياسي ضعيف يحتاج إلى تجديد عميق في الرؤية والقيم. فالنضج السياسي، كما يراه، لا يُقاس فقط بانتظام الانتخابات، بل بقدرة النخب على تحويل المطالب المتفرقة إلى اختيارات واضحة تمنح الديمقراطية مضموناً فعلياً يتجاوز التدبير التقني نحو أفق قيمي وتنموي أوسع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك