أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
دخلت البلاد مرحلة طوارئ غير معلنة بعدما تحولت التقلبات المناخية إلى تهديد مباشر للأرواح والممتلكات، في مشهد غير مسبوق فرض على الدولة تعبئة قصوى وإجراءات إجلاء واسعة شملت عشرات الآلاف من المواطنين، وسط تحذيرات رسمية من أسوأ ما قد تحمله الساعات والأيام المقبلة.
وكشفت وزارة الداخلية، عبر ناطقها الرسمي، في بلاغ رسمي أن الوضع لم يعد عادياً، وأن منسوب الخطر بلغ مستويات تفرض قرارات حاسمة وسريعة، في ظل فيضانات جارفة وارتفاع قياسي في منسوب الأودية والسدود.
السلطات العمومية، وبتنفيذ مباشر للتعليمات الملكية، انتقلت من منطق اليقظة إلى منطق التدخل الميداني المكثف، عبر تنسيق واسع بين مختلف القطاعات، ونشر وحدات من القوات المسلحة الملكية إلى جانب مصالح وزارة الداخلية، لتأمين عمليات إجلاء ونقل السكان من المناطق المهددة. الأرقام وحدها تعكس حجم الحدث: أزيد من 108 آلاف مواطن جرى إجلاؤهم إلى غاية صباح اليوم، في واحدة من أكبر عمليات الإخلاء التي عرفتها المملكة في سياق كوارث طبيعية.
إقليم العرائش تصدر المشهد بأرقام صادمة، حيث غادر أزيد من 81 ألف شخص مناطقهم، خصوصاً بمدينة القصر الكبير التي شهدت إجلاء ما يقارب 85 في المائة من ساكنتها، في صورة تختزل حجم الخطر الذي فرض إفراغ مدينة شبه كاملة. وتوزعت باقي عمليات الإجلاء على أقاليم سيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة، حيث أُخرج آلاف المواطنين من منازلهم تفادياً لسيناريوهات أكثر مأساوية.
ورغم ما وُصف رسمياً بنجاعة التدابير المتخذة في الحد من الخسائر، فإن القلق بلغ ذروته مع التحذيرات الجديدة المرتبطة بتوقع تساقطات مطرية قد تصل إلى 150 ملم في ظرف زمني وجيز، وما قد يترتب عنها من واردات مائية استثنائية، خصوصاً بسد وادي المخازن الذي سجل ارتفاعاً قياسياً في حقينته، مهدداً بضغط غير مسبوق على منشآته. هذه المعطيات دفعت السلطات إلى رفع مستوى الإنذار واتخاذ تدابير احترازية إضافية، تحسباً لتطورات وُصفت بالسريعة والمفاجئة.
أمام هذا الوضع، وجّهت وزارة الداخلية نداءً عاجلاً لا يقبل التأويل، دعت فيه سكان القصر الكبير والسواكن وأولاد أوشيح، إضافة إلى المنطقة الصناعية بالعرائش والمناطق المحاذية لمصب وادي اللوكوس، إلى الإخلاء الفوري والامتثال الصارم لتعليمات السلطات، مؤكدة أن أي تهاون قد تكون كلفته الأرواح. الرسالة كانت واضحة: السلامة أولاً، ولا مجال للمجازفة في مواجهة طبيعة خرجت عن السيطرة.
الدولة تؤكد أن التعبئة ستتواصل بلا انقطاع، وأن مختلف المصالح ستظل في حالة استنفار دائم، مع تعزيز التنسيق مع الساكنة المحلية التي أبانت، حسب البلاغ، عن مستوى عالٍ من الوعي والمسؤولية. غير أن ما يجري اليوم يطرح أسئلة عميقة حول هشاشة البنية المجالية أمام التقلبات المناخية، ويضع البلاد أمام اختبار حقيقي في إدارة المخاطر، في زمن لم تعد فيه الكوارث الطبيعية أحداثاً استثنائية، بل واقعاً متكرراً يفرض قرارات جريئة قبل فوات الأوان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك