أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
تتجه الحكومة الإسبانية نحو مصادقة وشيكة على مرسوم ملكي يُعدّل الإطار التطبيقي لقانون الهجرة، في خطوة وُصفت داخل الأوساط الأمنية والنقابية بأنها مقامرة سياسية عالية المخاطر، بعدما فتحت نقاشاً حاداً حول نية تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، من بينهم أعداد كبيرة من المغاربة، وسط تحذيرات من تداعيات أمنية وسياسية تتجاوز حدود إسبانيا إلى عمق الاتحاد الأوروبي.
الخطوة الحكومية فجّرت موجة انتقادات قوية من الكونفدرالية الإسبانية للشرطة، التي اعتبرت أن هذا التوجه يمثل انحرافاً واضحاً عن المسار الأوروبي المشترك في تدبير ملف الهجرة، ويضع مدريد في موقع معزول داخل فضاء أوروبي يتجه، على العكس، نحو تشديد الرقابة والقيود. ووفق تقديرات متداولة داخل الأوساط النقابية والإعلامية، فإن التسوية المرتقبة قد تشمل ما يقارب 800 ألف مهاجر، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ السياسات الإسبانية، ما اعتُبر جرس إنذار حقيقياً داخل الأجهزة الأمنية.
وترى النقابة الشرطية أن الحجم الهائل للتسوية المقترحة لا يمكن فصله عن مخاطره المحتملة، محذّرة من أن القرار قد ينسف سنوات من العمل الأمني الرامي إلى تفكيك شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، خصوصاً على المسارات الحساسة المؤدية إلى أوروبا، وفي مقدمتها محيط سبتة، التي تعيش ضغطاً مزمناً بسبب محاولات العبور غير النظامي.
وبحسب المقاربة الأمنية، فإن خطورة المرسوم لا تكمن فقط في مضمونه، بل في الرسائل التي يبعثها حتى قبل دخوله حيز التنفيذ، إذ تؤكد النقابة أن أي إشارة إلى تساهل تشريعي تتحول بسرعة إلى مادة دعائية بيد الشبكات الإجرامية في بلدان المصدر، حيث يتم تسويق وعود “التسوية السهلة” لاستقطاب مزيد من المهاجرين ودفعهم إلى المجازفة بحياتهم.
وتعتبر الكونفدرالية الإسبانية للشرطة أن الحكومة الحالية تقطع مع نهج استمر لما يقارب عشرين عاماً، التزمت خلاله الحكومات المتعاقبة، يمينية كانت أو يسارية، بالحذر من إطلاق تسويات جماعية واسعة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مثل هذه الإجراءات تُغذي ما يُعرف بتأثير الجذب، وتحوّل البلد المعني إلى نقطة استقطاب مفضلة للهجرة غير النظامية.
ومن سبتة ، حذّر المسؤول النقابي إدواردو غارسيا من “أثر خاص وخطير” لهذا القرار على المدينة، مؤكداً أن الوضع الهش أصلاً قد ينفجر ميدانياً إذا ما فُهمت الخطوة الحكومية كدعوة مفتوحة لعبور جديد، في منطقة تُعد من أكثر النقاط حساسية أمنياً على الحدود الجنوبية لأوروبا.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تجارب سابقة عرفتها إسبانيا في تسوية أوضاع المهاجرين، سواء في عهد الحكومات الاشتراكية أو الشعبية، غير أن النقابة تؤكد أن أياً من تلك العمليات، بما فيها تسوية 2005 التي شملت نحو 570 ألف شخص، لا يرقى من حيث الحجم والتأثير المحتمل إلى ما يُتداول اليوم، ما يجعل الخطوة الحالية الأكثر إثارة للجدل منذ عقود.
وترى الأوساط الأمنية أن توقيت القرار لا يقل خطورة عن مضمونه، إذ يأتي في لحظة تتجه فيها أغلب العواصم الأوروبية إلى تشديد قوانينها وإغلاق منافذها، ما قد يضع إسبانيا في مسار معاكس لشركائها، ويُضعف موقعها التفاوضي داخل الاتحاد الأوروبي، ويطرح تساؤلات حول مدى انسجام سياساتها مع الالتزامات الجماعية.
وفي ختام موقفها، تحذر الكونفدرالية الإسبانية للشرطة من أن المضي في هذا الإصلاح قد ينعكس سلباً على الأمن الداخلي وعلى صورة إسبانيا كدولة منسجمة مع شركائها الأوروبيين، معتبرة أن معالجة الهجرة غير النظامية لا تمر عبر قرارات أحادية أو تسويات واسعة، بل عبر سياسة صارمة ومنسقة تضرب شبكات التهريب، وتنظم التدفقات، وتحمي الحدود، بدل فتح أبواب قد يصعب إغلاقها لاحقاً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك