التسول يجتاح المدن المغربية وفوضى اجتماعية تكشف فشل السياسات العمومية

التسول يجتاح المدن المغربية وفوضى اجتماعية تكشف فشل السياسات العمومية
تقارير / الثلاثاء 27 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الله البارودي

لم يعد التسول في المغرب ظاهرة هامشية أو سلوكاً معزولاً مرتبطاً بالفقر الظرفي، بل تحوّل إلى مشهد يومي صادم يفرض نفسه بقوة في الشوارع والساحات والأسواق وأمام المساجد والمقاهي، بل وحتى عند إشارات المرور وفي مداخل الأحياء السكنية الراقية، في مختلف المدن المغربية دون استثناء.

هذا الانتشار الواسع وغير المفهوم يطرح أسئلة محرجة حول الأسباب الحقيقية لهذا الانفجار الاجتماعي، وحدود مسؤولية الدولة في مواجهته، بعد أن خرج عن كل الضوابط وتحول في حالات كثيرة إلى نشاط منظم.

في جولة سريعة داخل أي مدينة كبرى أو متوسطة، يلاحظ المواطن أن المتسولين لم يعودوا فقط من فئة المسنين أو الأشخاص في وضعية إعاقة، بل تشمل الظاهرة نساء شابات، وأطفالاً، وأحياناً أسر كاملة تُستعمل كوسيلة لاستدرار العاطفة.

والأخطر أن هذا الواقع بات يتعايش معه الجميع في صمت، وكأنه قدر اجتماعي لا مفر منه، في وقت تغيب فيه أي سياسة واضحة للحد من الظاهرة أو تفكيك شبكاتها المحتملة.

هذا وحذرت مصادر جمعوية وحقوقية، من أن جزءاً مهماً من هذه الظاهرة لم يعد مرتبطاً بالفقر وحده، بل بوجود وسطاء ومنظمين يستغلون هشاشة الفئات الضعيفة، خصوصاً الأطفال والنساء، ويوجهونهم نحو نقاط مدروسة بعناية داخل المدن، ما يحول التسول إلى اقتصاد موازٍ قائم بذاته، يدر مداخيل يومية تفوق أحياناً أجور العمال في القطاع المهيكل.

ورغم خطورة هذه المعطيات، لا تزال المقاربة الرسمية حبيسة الحلول الترقيعية والحملات الموسمية التي تختفي بسرعة.

من جهة أخرى، يجمع متتبعون للشأن الاجتماعي على أن تفشي التسول يعكس فشلاً مركباً في السياسات العمومية، بدءاً من ضعف برامج الحماية الاجتماعية، ومروراً بارتفاع معدلات البطالة والهشاشة، وانتهاءً بغياب التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية.

فالأرقام الرسمية عن الدعم الاجتماعي لا تنعكس على أرض الواقع، حيث تتسع رقعة الفقر في المدن بشكل لافت، ويتحول الهامش الاجتماعي إلى مركز جديد لإنتاج الظواهر المنحرفة.

في المقابل، يشتكي مواطنون من تحول التسول إلى مصدر إزعاج يومي وتهديد للإحساس بالأمن في بعض الأحياء، خاصة مع تزايد حالات الإلحاح والاستفزاز، واستعمال الأطفال في ظروف مهينة، في خرق صارخ للقانون ولحقوق الطفل.

ورغم أن القوانين تجرم استغلال القاصرين في التسول، إلا أن تطبيقها يظل محدوداً، في ظل ضعف المراقبة وغياب المحاسبة.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً حول جدوى الخطابات الرسمية التي تتحدث عن “الدولة الاجتماعية”، بينما تتكاثر مظاهر البؤس في الفضاء العام بشكل غير مسبوق.

فهل يعقل أن تتحول المدن المغربية إلى فضاءات مفتوحة للتسول المنظم، دون تدخل حازم يوازن بين البعد الإنساني وتطبيق القانون؟ وأين هي برامج الإدماج والتأهيل التي من المفترض أن تعيد الكرامة لهذه الفئات بدل تركها رهينة الشارع؟

إن استمرار تفشي التسول بهذا الشكل يهدد النسيج الاجتماعي ويقوض الثقة في السياسات العمومية، ويحول الفقر من حالة استثنائية إلى وضع طبيعي.

ومع غياب رؤية شاملة وجريئة، تظل الظاهرة مرشحة لمزيد من التوسع، ما لم يتم التعامل معها كقضية بنيوية تتطلب إرادة سياسية حقيقية، لا مجرد حملات ظرفية سرعان ما تنتهي بانتهاء الضجيج الإعلامي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك