أنتلجنسيا:أبو آلاء
اهتزاز غير مسبوق بدأ يضرب واحدة من أكثر الممارسات إثارة للجدل داخل الحياة الحزبية في المغرب، بعدما شرعت عدة أحزاب سياسية في تقليص نفوذ القيادات المحلية والإقليمية التي ظلت لسنوات تتحكم في منح التزكيات الانتخابية، وهي العملية التي تحولت في كثير من الحالات إلى مصدر نفوذ وربما إلى باب للامتيازات والمصالح مع اقتراب كل استحقاق انتخابي.
فالتزكيات التي كانت تُمنح في السابق عبر شبكات نفوذ محلية داخل الأحزاب، وتخضع في أحيان كثيرة لموازين القوة والعلاقات الشخصية داخل التنظيمات الحزبية، باتت اليوم موضوع مراجعة داخلية في عدد من الأحزاب التي قررت سحب هذه الصلاحيات من بعض المسؤولين المحليين الذين كانوا يهيمنون على التنظيمات الإقليمية والجهوية ويحولونها إلى ما يشبه مناطق نفوذ خاصة بهم.
وبحسب معطيات متداولة في الأوساط السياسية، فإن هذا التحول لم يمر دون ردود فعل، حيث عبر عدد من السياسيين الذين اعتادوا التحكم في توزيع التزكيات عن غضبهم الشديد من هذه المقاربة الجديدة، خصوصا بعد أن فقدوا إحدى أهم أدوات التأثير داخل المشهد الانتخابي، وهي الأداة التي كانت تمنحهم سلطة كبيرة في رسم الخريطة المحلية للمرشحين.
وتشير مصادر سياسية إلى أن هذه التحولات جاءت في أعقاب الاجتماع الأخير الذي عقده وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت مع ممثلي الأحزاب السياسية، في إطار المشاورات المرتبطة بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة وضمان شروط النزاهة والشفافية في العملية الانتخابية، وهو الاجتماع الذي أعاد فتح النقاش حول ممارسات داخلية ظلت لسنوات مثار انتقادات واسعة داخل المشهد السياسي.
فخلال السنوات الماضية، تحولت التزكيات داخل بعض الأحزاب إلى مصدر نفوذ سياسي حقيقي، حيث تمكن عدد من القيادات المحلية من إحكام قبضتهم على التنظيمات الحزبية في الأقاليم والجهات، مستفيدين من قدرتهم على تحديد من يترشح ومن يُقصى من السباق الانتخابي، وهو ما منحهم نفوذا واسعا داخل قواعدهم الانتخابية وأحيانا داخل مراكز القرار الحزبي نفسها.
هذا الواقع ساهم في ظهور ما يصفه بعض المتابعين بظاهرة “بارونات التزكيات”، وهم فاعلون سياسيون راكموا نفوذهم عبر التحكم في مفاتيح الترشيح داخل الأحزاب، الأمر الذي جعل عددا من التنظيمات الحزبية تبدو في نظر الرأي العام وكأنها شبكات محلية للنفوذ الانتخابي أكثر منها مؤسسات سياسية قائمة على البرامج والتنافس الديمقراطي.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن هناك توجها داخل بعض الأحزاب لإعادة ضبط قواعد منح التزكيات وإخضاعها لآليات أكثر مركزية أو لمسطرة تنظيمية أكثر صرامة، في محاولة لتفادي الانتقادات التي طالت العملية الانتخابية في مراحل سابقة، خاصة ما يتعلق باتهامات استعمال النفوذ أو توظيف العلاقات الشخصية في تحديد المرشحين.
غير أن هذا التحول يضع الأحزاب أمام معادلة صعبة، إذ أن تقليص نفوذ القيادات المحلية قد يحد من ممارسات مثيرة للجدل، لكنه في المقابل قد يخلق توترات داخلية مع شبكات سياسية ظلت لسنوات تشكل العمود الفقري للآلة الانتخابية في العديد من المناطق.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو معركة التزكيات مرشحة لتكون واحدة من أبرز كواليس الصراع السياسي في المرحلة المقبلة، حيث لم تعد مجرد إجراء تنظيمي داخل الأحزاب، بل تحولت إلى نقطة تقاطع بين إصلاح قواعد اللعبة الانتخابية وبين مقاومة شبكات النفوذ التي راكمت مصالحها داخل المشهد الحزبي على مدى سنوات طويلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك